
أمُّنا العذراء: هديّتنا من السماء! إلى أهل الأرض
لكلٍّ منَّا أمٌّ ولدته بالجسد، وهي تربّيه وتعتني به جسديّاً وروحيّاً.
ولكنّ أمّنا جميعاً، أمّ كلّ المسيحيّين، هي العذراء مريم، التي سلَّمها ربُّنا وسيّدُنا يسوع المسيح، عندما كان معلّقاً على الصليب، إلى التلميذ الحبيب يوحنّا وقال له:
“هوذا أمُّك”.. ونحن كلّنا تلاميذ يسوع كيوحنّا الحبيب، فالربُّ يسوع يقول لنا جميعاً: “هوذا أمُّكم”…
لقد أرسل لنا الربُّ هذه الأمَّ السماويّةَ هبةً من السماء إلى أهل الأرض، لأنّها كانت أُمّاً للربّ يسوع، الذي رفعَنا نحن الأرضيّين من الأرض إلى السماء، لنصبح مواطني الملكوت السماويّ في عداد الأبرار والقدّيسين.
لنسلّط الضوءَ على محطّاتٍ أساسيّةٍ في حياةِ مريمَ العذراء، نظراً للأهميّة الكبرى التي توليها إيّاها كنيستُنا المقدّسة، ونظراً لعلاقتها بالمؤمنين، ومسيرة حياتهم.
أشعياء النبيّ نقل إلينا بشرى الخلاص بيسوع المسيح عندما تنبّأ بمجيئه وولادته من العذراء مريم وقال:
“ها إنّ العذراء تحبل وتلد ابناً ويُسمّى عمّانوئيل الذي تفسيره الله معنا”.
والعذراءُ تقبّلَتْ هذه النعمة بقولها: “ها أنا أمة للربّ”. وتولَّتْ، مع يوسفَ خطيبِها، حِفظَ الطفلِ مِن بطش هيرودس، واحتضانَهُ وتربيتَه لينمو ويتقوّى بالروح.
وأُولى العجائب التي اجترحَها كانت نزولاً عند رغبةِ أمِّه، وهي أعجوبة قانا الجليل.
وفي هذه الأعجوبة ظهرَتْ تباشيرُ قدرتِه وطبيعتِه الإلهيّة، كما ظهرَ حبُّه للإنسان الذي سيبذلُ دمَهُ من أجل خلاصه، ناهيكَ عن مباركتِه سرّ الزواج.
لقد رافقت العذراء مريم الربّ يسوع خلال جولاته البشاريّة التي كان يقوم بها في الأراضي المقدّسة وفي لبنان أيضاً، حيث كانت تنتظره عندما كان يجول ويبشّر الناس، وقد سُمّي مكانٌ مقدّس للعذراء مريم في مغدوشة، في جنوب لبنان وهو “سيّدة المنطرة”، تيمُّناً بهذه الجولات الخلاصيّة.
العذراء مريم لم تترك الربَّ يسوعَ طيلةَ حياتِه على الأرض، فقد رافقته في جولاتِه التبشيريّة، ولم تتخلَّ عنه في آلامِه وصَلبِه، وتفجَّعَتْ عليه كَأُمٍّ، وفَرِحَت ومجّدت الله، عندما عاينته قائماً من بين الأموات.
عندما سلّم الربّ يسوعُ أُمَّه إلى يوحنّا الحبيب وأخذها إلى خاصّته، أصبحت تخصُّ كُلَّ المؤمنين بالربّ يسوع، وأصبحنا كلُّنا خاصّتَها، لأنّها صارت أمَّ جميع المسيحيين الذين افتداهم الربُّ يسوع بدمه الكريم.
بعد القيامة المجيدة، حملت هذه البشرى السارّة “المسيح قام” مع النسوة حاملات الطيب ونقلتها إلى الرسل القدّيسين الأطهار الذين حملوها إلى أقاصي المسكونة، وتلمذوا كُلَّ الأمم وعمّدوهم باسم الآب، والاِبن، والروح القدس، كما طلب إليهم الربُّ يسوع بعدما أعطاهم الروح القدس، وكانت العذراء مريم معهم عندما حلّ عليهم في يوم العنصرة العظيم، بشكل ألسنة ناريّة.
وهؤلاء الرسل كانوا يعودون إليها ويستشيرونها في كلّ الأمور الهامّة التي كانت تعترض سبيلهم.
وعندما أتمّت العذراء مريم رسالتها على هذه الأرض، ودنت ساعةُ انتقالِها إلى السماء، دعت الرسل ليجتمعوا قربها في قرية الجسمانية ليودّعوها، فحضروا من أقطار المسكونة، وودّعوها ودفنوا جسدها الطاهر.
وقد نقلها الربُّ يسوع إليه، وحملها طفلةً على يديه، كما حملته هي طفلاً بعد ولادته.
وقد انتقلت إلى الحياة بما أنّها أمّ الحياة، أمّ يسوع المسيح الذي وهبَنا الحياة.
أُمُّنا مريمُ العذراء شفيعتُنا الدائمةُ والحارّةُ لدى ربّنا ومخلّصِنا، لينقذَ نفوسنا من الهلاك ويهبنا الحياة الأبديّة. وهي قُدوَتُنا في الطَّهارةِ والإيمان، وقُدوَتُنا في تنشئةِ أولادِنا التنشئةَ المباركة.
آمين.
No Result
View All Result