
القديسة رفقا … عينّ ساهرة على كنيسة لبنان
مارس 2025,22
توسّلتُ إلى يسوع أن أشاركه آلامه، فأغدق عليَّ بحنانه وبخيراتٍ لا تُحصى. لملمتُ بقايا جسدي وأسرعتُ إلى لقياه، فكان العرس السماوي الذي تقتُ إليه منذ صغري. أنا القديسة رفقا، وهذه قضّتي مع يسوع المسيح.
في حملايا كُتِبَت البداية، ومنها انطلقت الحكاية إلى أقاصي المعمورة.
في أحد بيوت تلك القرية المتواضعة في المتن الشمالي، ولِدَت بطرسيّة في 29 حزيران 1832 من أبوين تقتّين، ملتزفين بتعاليم الكنيسة: مراد صابر الشبق الريّس، ورفقا الجميّل التي توفيت حين كانت ابنتها الوحيدة طفلةً في السابعة من عمرها.
بسبب الفقر، أرسلها والدها إلى دمشق عام 1843 للعمل في منزل أسعد البدوي، اللبناني الأصل، على مدى أربع سنوات.
عندما عادت من الشام، وجدت بطرسيّة والدها متزوّجًا، فآلمها ارتباطه، بخاصة أنّ زوجته الجديدة أرادت أن تزوّجها شقيقها. وانسحب الأمر على خالتها، شقيقة أقّها التي طلبت أن تزوّجها ابنها أيضًا، فرفضت بطرسيّة ذلك لأنّها تاقت إلى الحياة الرهبانيّة. وما هي إلا فترة قصيرة حتى قصدت دير سيّدة النجاة التابع لجمعيّة المريمات في بكفيّا. وهناك، عاشت حياة صلاة وطاعة وعقّة وعمل من دون أيّ تذقَّر، كما الحال في كل الأماكن التي ستقصدها لاحقًا.
تبخّر في الكلمة
في 19 آذار 1861، المصادف عيد القديس يوسف، لبست رفقا ثوب الابتداء. بعد مرور سنة واحدة، في العيد عينه، أبرزت النذور الرهبانيّة الموقّتة.
بعد ذلك، أُرسلت إلى إكليريكيّة غزير، وغهِد إليها القيام بخدمة المطبخ.
رفقا المتواضعة التي كانت مثالاً لجميع أخواتها، غاصت في الإنجيل، فباتت أستاذةً في شرحه. وتنقّلت بين أديرة عدّة بأمر من رؤسائها بهدف تعليم أسس الإيمان المسيحي.
من بين محطاتها، دير القمر وجبيل ومعاد. في خلال المحطة الأخيرة التي بقيت فيها سبع سنوات وأسست مدرسةً لتعليم الفتيات مع إحدى الراهبات، تعرّضت جمعيّة المريمات لأزمة. حينها، قصدت رفقا كنيسة مار جرجس، طالبةً المعونة من يسوع لاتّخاذ القرار المناسب، فسمعت صوتًّا يدعوها إلى الترهَّب.
ثم تراءى لها في الحلم مار جرجس ومار سمعان العمودي ومار أنطونيوس الكبير الذي قال لها: «ترهّبي في الرهبنة البلدية».
في 1 تقوز 1871، دخلت دير مار سمعان القرن في أيطو، ولبست توب الابتداء في 12 تقوز من السنة عينها. تم أبرزت النذور الرهبانيّة في 25 آب 1872، واتخذت اسم أقّها رفقا ليرافقها في مسيرتها.
الألم يقرع الباب
حبُّ رفقا الذي لا يوصف ليسوع جعلها تتوسل إليه كي تشاركه في آلامه وتحمل صليبه. هذا ما حصل في تشرين الأوّل من عام 1885 حيث بدأ الألم الشديد يطرق باب رأسها وعينيها. بأمر الطاعة، أجبرت على الخضوع للعلاج. عاينها طبيب أميركي أمر بإجراء عمليّة سريعة لعينها اليمنى، فاقتلعها من غير قصد. لكنها شكرته رغم ذلك، قائلةُ: «سلمت يداك، الله ياجرك»، بعدما كانت قد رفضت الخضوع للبنج في خلال العمليّة.
ستة وعشرون عامًا (1871-1897) أمضتها رفقا في دير مار سمعان-أيطو قبل انتقالها مع خمس راهبات إلى دير مار يوسف-جربتا في قضاء البترون التابع للرهبانيّة اللبنانيّة المارونيّة في 3 تشرين الثاني 1897.
مشاركة في الآلام الخلاصيّة
عام 1899، فقدت نظرها كلّيًا، وتفكّكت عظامها إلا أنّها بقيت صابرة على وجعها، تصلّي بخشوع، وتناجي الربّ من كل جوارحها، شاكرةً إيّاه على نعمة مشاركته في آلامه الخلاصيّة. كما كانت تزحف على الأرض من غرفتها باتجاه كنيسة الدير لتناول القربان المقدّس في أثناء القداس الإلهي.
ليلة انتقالها إلى أحضان الآب السماوي في 23 آذار 1914، سطع نورٌ على قبرها لثلاثة أيام متتالية.
في 11 شباط 1982، أعلنها القديس البابا يوحنا بولس الثاني مكرّمة، ثمّ طوباويّة في 17 تشرين الثاني 1985 قبل أن يرفعها قديسة على مذابح الكنيسة في 10 حزيران 2001.
تحتفل الكنيسة الكائوليكيّة بتذكار القديسة رفقا في 23 آذار من كل عام، طالبةً شفاعتها من أجل تحقّل الآلام الشديدة والثبات في سلوك درب القداسة.
أيتها القديسة رفقا، ساعدينا كي نتعلّم أن نحمل صليب أوجاعنا بفرحٍ حقيقي، وأن نبقى ثابتين على إيماننا المسيحي حتى الرمق الأخير.
صفحة قلم غار
No Result
View All Result