أحد السّجود للصّليب الكريم المحيي
في الكنيسة الأرثوذكسية ثلاثة أعياد للصليب:
1) ارتفاع الصليب في 14 ايلول وهـو ذكرى اكتشاف القديسة هيلانة له
2) تزييح الصليب في ١ آب وهو ذكرى انتصار هرقل على الفرس واستعادتـه صليب السيد منهـم الى القدس سنة 630.
3) التكريم الذي نحن فيـه في وسط الصوم غالبا ما يعود إلى نقل جـزء من الصليب المكرم من القدس الى أفاميا (قرب حماه) بمناسبـة بناء كنيسة فيها.
ثلاثة أسابيع من الصوم توصلنا في هذا الأسبوع (الأربعاء) إلى منتصف الصيام الذي ينتهي بسبت لعازر، وبعده ندشن صوم الأسبوع الكبير المقدس الذي هو أشد في نظامه النسكي واعمق في معانيه. وقد لاحظت الكنيسة أن ثلاثة أسابيع من الجهاد ترهق بعض المؤمنين الذين يملون من متابعة النسك والتضييق على انفسهم. فلئلا يتعبوا روحيا كما تعبوا جسديا وضعتهم الكنيسة امام مشهد الصليب واقتبست مقطعا من انجيل مرقس يعبر تعبيرا عظيما عن حقيقة الصليب.
في هذا يقول السيد: “من اراد ان يتبعني فليكفر بنفسه ويحمل صليبه ويتبعني”. اي اذا شئنا ان نمشي وراء يسوع فهذا له ثمن نبذله. ما هو الذي يجب بذله؟ ان تنحر هذه الشهوة او تلك لا يكفي. ان تنفق بعض المال او كثيره على الفقراء لا يكفي. انت يجب ان تذهب إلى الصميم، إلى أصل الشر وتنفيه عن ذاتك. الذات هي الكلمة المفتاح ويسميها الإنجيل النفس. فأنت تابع للمسيح إلى حيث وصل اي إلى الصليب. فاذا اردت ان تميت الخطيئة التي قتلت المسيح عليك ان تضحي ليس بشيء او بمجموعة اشياء ولكن بالأفكار المغلوطة والعلاقات المشبوهة اي بكل ما هو ساقط فيك وجارح لكيانك الروحي او مبطل للصوت الإلهي فيك. ذلك انك جعلت شخصك مكونا من هذه الأشياء او هذه الكلمات او تلك الوجوه. الأمر يتطلب انسلاخا عن ذاتك، عن اشياء متأصلة فيك لتجعل المسيح وحده مكونا لشخصيتك ومالئا كل فراغ فيك. إذًا، في منتصف الصوم، تنصب الكنيسة أمامنا صليب المسيح. وتفعل ذلك مرتين أخريين في السنة، في 14 أيلول وأول آب، معيدة الصليب إلى ذاكرتنا وتكريمنا. وفي هذين العيدين يرتبط السجود للصليب بحوادث تاريخية. أمّا تذكار الصليب في الأحد الثالث من الصوم، فيستدعي فقط إيماننا وتقوانا، إذ يدور الأمر حول الجهر بدور الصليب في تاريخ الخلاص وحول استعدادنا لرؤية هذا الصليب الذي سيقام يوم الجمعة العظيم على الجلجلة التي ما زالت بعيدة. خلال صلاة السَحَر، نحو نهاية الذكصولوجية الكبرى، يضع الكاهن صليباً على طبق مزيّن بالزهور.
وإذ يحمل الصليب فوق رأسه، يخرج من الهيكل، تتقدمه شموع مضاءة وبخور. عندما يصل إلى وسط الكنيسة، يضع الصليب على طاولة، ثم يبخره وترنم الجوقة: لصليبك يا سيّدنا نسجد ولقيامتك المقدسة نمجّد). ثم يأتي الشعب ليقبّل الصليب الذي يبقى معروضاً هكذا في وسط الكنيسة خلال العيد كله. وتعبّر الترنيمة التالية من صلاة السَحَر تعبيراً جيداً عن معنى هذا العيد: (إذ نشاهد اليوم صليب المسيح الكريم موضوعاً، فلنسجد له بإيمان فرحين، ونعانقه بشوق، مبتهلين إلى الرب الذي صُلب عليه بمشيئته، أن يؤهلنا جميعاً للسجود للصليب الكريم وأن نبلغ نهار القيامة جميعاً ونحن لا دينونة علينا). تحثنا الرسالة التي تتلى في القداس (عبر 14:4- 6:5) أن نُقبل بثقة إلى عرش النعمة لننال غفران خطايانا بما أن يسوع هو كاهننا العظيم. (فإن رئيس الكهنة الذي لنا ليس ممن لا يستطيع أن يرثي لأمراضنا: بل قد جُرِّب في كل شيء مثلنا ما خلا الخطيئة). ويذكرنا الإنجيل (مرقس 34:8- 1:9) بكلمات المعلّم الهامة والملحاح: (من أراد أن يتبعني، فليفكر بنفسه ويحمل صليبه ويتبعني، لأن الذي يريد أن يخلّص نفسه يفقدها، وأمّا الذي يفقد نفسه من أجلي ومن أجل البشارة فإنه يجدها). هل أنا مستعد أن أتبع المسيح حاملاً الصليب (لا الصليب الذي أكون قد اخترته بل الصليب الذي يضعه هو نفسه على كاهلي ؟) هل أنا مستعد أن أقبل جميع المِحَنْ أو الآلام التي يمكن أن تطرأ عليّ، كاشتراك في صليب المخلّص؟ عندما أدنو بعد هنيهة من الصليب المعروض في وسط الكنيسة وأقبلّه، أستكون قبلتي قبلة خاطئ غير تائب، قبلة يهوذا، أم حركة احترام سطحية لا تغيّر شيئاً في حياتي، أم علامة سجود وإيمان وحنان تُلزم وجودي برمته ؟ إن إنجيل هذا اليوم ينتهي بهذه العبارة: (الحق أقول لكم: في جملة الحضور ههنا من لا يذوقون الموت، حتى يشاهدوا ملكوت الله آتياً بقوة). فليس المقصود هنا مجيء المسيح الثاني المجيد، في نهاية العالم. المقصود هو مجيء المسيح بقوة، الذي تم في العنصرة وكان الجيل المسيحي الأول شاهداً له. لكن المقصود أيضاً هو مجيء غير منظور، غير مشهدي للملكوت في النفوس المؤمنة الورعة. حبذا لو يكون مصيري الشخصي هكذا، حبذا لو أن الموت لا يدركني دون أن يتمكن ملك يسوع من نفسي.