
كان جوابك “نعم”, بدلت به وجه البشرية
و يتحرّك الستار بقوّة أكبر كما لو أنّ أحداً من الخارج
يُحدِث تيّار هواء أو يهزّه ليزيحه
و يَلِج نورٌ أبيض لؤلؤيّ، مُقترن بالفضّي الصافي،
يجعل الجدران المائلة إلى الإصفرار أكثر إشراقاً،
ألوان الأقمشة أكثر حدّة، و وجه مريم المرفوع أكثر روحانيّة.
في النور و من دون أن ينزاح الستار عن السرّ
الذي يتمّ حتّى أنه لم يعد يتحرك.
إنه يتدلّى صلباً تماماً إلى الدعائم، كأنّه جدار يعزل الداخل
عن الخارج في هذا النور يسجد رئيس الملائكة.
لا بدّ أنه يتّخذ بالضرورة مظهراً بشريّاً.
لكنّ مظهره هذا يتجاوز البشريّ.
«السلام عليكِ يا مريم، يا ممتلئة نعمة، السلام عليكِ»
الصوت تنغيمٌ عذب مثل لآلئ تسقط على معدنٍ ثمّين.
مريم تختلج وتُخفِض عينيها، و تختلج أكثر حين ترى
هذا المخلوق النورانيّ جاثياً على نحو مسافة مترٍ منها،
يداه مشبوكتان فوق صدره و هو ينظر إليها بإحترامٍ لا متناهٍ
تنتَصِب مريم واقفة و تلتصق بالجدار
تصبح شاحبة، ثمّ حمراء، وجهها يُعبِّر عن دهشة و ذهول
تضمّ يديها بشكل لا شعوريّ إلى صدرها و تخبّئهما
في كمّيها الطويلين.
تنحني تقريباً لتُخفي ما أمكنها من جسدها، وضعُ حياءٍ عذب.
«لا لا تخافي الربّ معكِ، مباركة أنت في النساء»
«أنا جبرائيل ملاك الله ، إن الرب أرسلني إليكِ.
لا تخافي فقد نلتِ حظوةً عند الله،
و ها أنتِ تحبلين و تلدين إبناً و تسمّينه يسوع.
هذا سيكون عظيماً و إبن العلي يدعى، سيكون كذلك بحقّ،
و سيعطيه الربّ الإله عرش داوود أبيه،
و سيملك إلى الأبد على آل يعقوب، و لن يكون لملكه إنقضاء.
أدرِكي أيّتها العذراء القدّيسة، يا محبوبة الربّ،
يا إبنته المباركة، المدعوّة لتكون أمّ إبنه، أيَّ إبن ٍ ستلدين.»
«كيف يمكن لذلك أن يحدث و أنا لا أعرف رجلاً؟
هل رفض الربّ الإله تقدمة خادمته،
و لا يريدني أن أبقى عذراء حُبّاً له؟»
«لا، لن يكون بفعل بشر أن تصبحي أُمّاً يا مريم.
فأنتِ العذراء الأزليّة، قدّيسة الله.
الروح القدس سيحلّ عليكِ و قوّة العليّ تظلّلكِ.
لذلك فالمولود منكِ يدعى القدّوس، قدّوس هو و إبن الله
و كلّ شيء مستطاع لدى الربّ إلهنا.
و ها إنّ أليصابات العاقر قد حَمَلَت في شيخوختها
بإبنٍ سيكون النبيّ الذي يهيّئ الطريق لإبنكِ.
فالربّ قد مسح عنها العار
و ذِكرها يدوم بين الأمم مرتبطاً بإسمكِ
مثل إرتباط إسم خليقته بقدّوسكِ،
و حتّى نهاية الدهور تطوّبكما جميع الأمم
بسبب حلول نعمة الربّ عليكما، و عليكِ أنتِ بشكل خاصّ،
و قد حلَّت على الأمم بواسطتكِ.
أليصابات هي الآن في شهرها السادس، و حَملها يثير فرحها،
و سيثيره أكثر عندما تعلم بفرحك الخاص،
لا شيء غير مستطاع لدى الله يا مريم، يا ممتلئة نعمة.
ماذا ينبغي لي أن أقول لربّي؟
لا تضطربي لأيّة فكرة، الربّ يسهر على مصالحكِ
إذا إتكلت عليه العالم، السماء الأزليّ ينتظرون كلمتكِ»
تقول مريم، و قد شبكت بدورها،
يديها فوق صدرها و إنحنت إنحناءةً كبيرة :
«ها هي خادمة الربّ، ليصنع بي بحسب كلمته.»
يُشعّ الملاك فَرحاً، يعبد لأنّه بالتأكيد يرى روح الله
ينزل على العذراء المنحنية تماماً في قبولها،
ثمّ يختفي من دون أن يحرّك الستار
التي يتركه منسدلاً فوق السرّ المقدّس.
No Result
View All Result