
التوبة والاعتراف
الأرشمندريت توما بيطار
1– كلمات…“افتح لي أبواب التّوبة يا واهب الحياة”
“… *فخرجوا وصاروا يكرزون أن يتوبوا” )مرقس ٦:١٢ (
* “إن اعترفنا بخطايانا فهو أمين وعادل حتّى يغفر لنا خطايانا ويطهّرنا من كلّ إثم. إن قلنا إنّنا لم نخطئ نجعله كاذبًا وكلمته ليست فينا“ (يوحنا ١: ٩- ١٠)
* “اعترفوا بعضكم لبعض بالزلات“ (يعقوب ٥:١٦).
* “اطلب التّوبة في كلّ لحظة. ولا تدع نفسك للكسل لحظة واحدة”. (القديس أنطونيوس الكبير)
* “ليست خطيئة بلا مغفرة الا التي بلا توبة” (القديس اسحاق السرياني ).
2- التوبة.
الله هو غاية حياتنا. أن نكون مع الله وأن نشترك في حياة الله هو الهدف الذي من أجله نوجد ونحيا ونموت. فإمّا أن نسلك سبيل الحياة أي سبيل الله، أعني المحبّة والوداعة والصبر والتعفّف وسواها، وإمّا أن نسلك سبيل الموت، أعني الكبرياء والبطر والكذب والدّعارة وسواها. فإن نحن اخترنا سبيل الحياة، فهذا يعني أنّنا نعلن الحرب على أشواك الموت الّتي هي الكبرياء وسواها. كما يعني أنّنا نلتصق، بالمقابل، بالله، ونتقوّى بنعمته ونحفظ كلامه. هذا السّعي الدّائم لمحاربة أشواك الموت في حياتنا مقرونًا بالأمانة لله هو التّوبة. فالتوبة هي جهاد يستمرّ مدى الحياة. كلّ لحظة في حياة المؤمن هي لحظة توبة. والمؤمن هو التائب الى الله.
3- التّوبة والاعتراف
ليس الاعتراف معادل للتّوبة، بل هو عمل من أعمالها. لذلك يفترض في المعترف أن يكون تائبًا والّا بطل اعترافه، أي يفترض فيه أن يكون قد اختار سبيل الحياة وأعلن الحرب على أشواك الموت. أمّا الذي مازال مترجّحًا بين سبيل الحياة وسبيل الموت فلا قيمة لاعترافه، لا بل قد ينقلب اعترافه عليه.
4- ما هو الاعتراف.؟!.
ليس الاعتراف تعريف الله بخطايانا. الله يعرفها مسبقًا. الاعتراف هو أن نقرّ بذنبنا وبأنّنا قد أسأنا الى الله وإلى الناس بالقول أو بالفعل أو بالفكر. والغرض من الاعتراف هو أن نتصالح مع الله ومع الكنيسة الّتي ننتمي إليها: نندم فنعترف بخطايانا ونطلب من الله أن يسامحنا وأن يمنحنا نعمة لكي لا نعود الى الخطيئة. اذ ذاك تُمسح خطايانا كما لو أنّها لم تكن وتتمّ المصالحة.
5- الاعتراف بالكاهن
لماذا الكاهن في الاعتراف؟ إن وُجد الكاهن في الاعتراف يخدم غرضين، فهو من جهة، علامة لحضور الله في لحظة الاعتراف بالذات، أي أنّ الله يسمعنا ويقبلنا كالكاهن تمامًا، وهو، من جهة ثانية، صورة الكنيسة، الضارعة إلى ربّها المستغفرة اياه. وهو من هذه الزاوية يحتضن المعترف كالأمّ الحنون ويقوده في اعترافه الى الله ويطلب من أجله. فوجود الكاهن ضرورة إلّا إذا لم يكن هناك كاهن على الاطلاق. حينئذ، وبصورة استثنائيّة، يستحسن أن يفضي المعترف باعترافه لأحد المؤمنين الأتقياء، وبالصّلاة وطلب الرّحمة يكون الحلّ من الخطايا.
6- فائدة الإعتراف
للإعتراف فوائد ثلاث هي التالية:
أ- فتح القلب وطرح أثقال النفس أمام الله وطلب الرّحمة. وهذه أمور هامّة جدًا في حياتنا مع الله لأنّها تكسر طوق كبريائنا وانغلاقنا المؤذي على أنفسنا، وتجعلنا نقرّ بضعفنا وحاجتنا الى الله.
ب- الثّقة بأنّ خطايانا قد غفرت وذلك عن طريق السرّ الكنسي ووضع يد الكاهن. وهذا يعني أنّنا قد تحرّرنا من أثقال النّفس وبإمكاننا أن ننطلق بعزم أكيد جديد في درب الحياة.
ج- المصالحة الّتي تحدثنا عنها أعلاه.
7- بماذا أعترف.؟!..
قلنا إنّ الاعنراف يتناول الإساءة أو الإساءات إلى الله والى الناس. لذلك نحن نعترف بالإساءات الّتي ارتكبناها:
أ- بالقول كالكذب والنميمة والكلام البطّال وإدانة الآخرين والتّشهير بهم.
ب- بالفعل كالعداوة والسرقة والاستغلال والظلم والفسق.
ج- بالفكر كالكبرياء والانانيّة وحبّ الظهور والمجد الباطل والحسد واليأس.
ولا يخفى أنّ الإساءة إلى الناس هي إساءة الى الله، ولا يخفى كذلك أنّ إحساسنا بالإساءة يقوى أو يضعف باعتبار حفظنا للوصايا وامانتنا لله.
8- متى اعترف
ليس للاعتراف زمان محدّد ولا هو ضرورة تسبق الاشتراك في مائدة الرب (المناولة). التّوبة وحدها ضرورية لهذا الاشتراك. اذًا متى أعترف؟ أ كلّما ارتكبت خطيئة آتي لأعترف بها أم ماذا.؟!.
الجواب على هذا السؤال مرهون بأمرين:
أ- ضمير المعترف. إنّ شعور المعترف بثقل الخطيئة هو خير محكّ بهذا الخصوص.
ب- الإساءة إلى الكنيسة بشكل صارخ كما في حالات الزنى والجريمة والغش والسرقة والعداوة، ممّا يوجب الاعتراف بالخطيئة والتكفير عنها، وإلّا حُرم صاحب العلاقة من الاشتراك في مائدة الرّبّ.
ولا بدّ من التأكيد هنا على ضرورة التّنبيه والحذر لئلّا يصير ترك المؤمن لضميره، في غالب الاحيان، مدعاة للتهاون.
9- الاعتراف والارشاد الروحي
كثيرون يخلطون بين الاعتراف من جهة والارساد الروحي وكشف الافكار من جهة ثانية. في الاعتراف نقر بخطايا ارتكبناها، نقرّ بها بكل نيّة صادقة وتوبة حقيقية. أما في الإرشاد الرّوحي وكشف الأفكار فإنّنا نفتح للأب الرّوحي صدرنا ونكشف له أفكارنا ومكنونات قلوبنا، ونصغي إلى إرشاده ونطيعه كما لو كانت كلماته من عند الرّبّ. وقد يكون الكاهن المعرّف والأب الرّوحي واحدًا وقد لا يكونان.
كلّ كاهن مُعَدٌّ إعدادًا وافيًا لممارسة سرّ الاعتراف يقدر أن يكون كاهنًا معرفًا. وليس هذا حال الأب الرّوحي. فالأب الرّوحي ليس بالضرورة كاهنًا. لكنه شخص تتوفّر فيه المقوّمات التالية:
أ- ان تكون له حياة روحيّة أصيلة.
ب- أن تكون له نعمة التبنّي والتّربية في الرّوح القدس.
ج- أن يكون مشهودًا له بذلك.
فبين الاعتراف والارشاد الروحي اذًا فرق. الكاهن المعرّف هو علامة منظورة لمصالحة المؤمن مع الله والكنيسة. اما الأب الرّوحي فهو علامة منظورة لتبنّي الله للمؤمن في مسيرته الروحية.
10- ملاحظات اضافية
أ- اذا اعترفت بخطيئة فتأكّد أنّها قد غفرت لك. لذلك لا تعترف بها ثانية.
ب- لكل منّا خطيئة رئيسية تتجمّع حولها خطايا اخرى. وعلينا أن نكشفها ونركّز عليها في حربنا.
ج- لا تعترف بخطايا غيرك بل بخطاياك أنت. ولا تحاول أن تبرّر نفسك.
د- لا مكان في الاعتراف للمحادثة وتبادل الرّأي مع الكاهن.
ه- لا تأتي لتعترف اذا لم يكن عندك شيء يثقل على قلبك وضميرك.
و- الكاهن الذي يفشي سرّ الاعتراف يوقَفُ حالاً عن عمله.
ز- لا تدع الخجل يمنعك من الاعتراف بخطاياك. خيرٌ لك أن تعتري بخطاياك على الارض من ان يخجلك الله في السماء.
ج- لا تدخل في تفاصيل خطاياك أثناء الاعتراف.
ط- إذا نسيت خطيئة أثناء الاعتراف ثم تذكّرتها بعد ذلك فلا يؤنّبك ضميرك، فإنّها مغفورة لك. ولكن… إيّاك أن تخلط بين النّسيان والتناسي.
ي- كثيرون لا يشعرون بثقل الخطيئة او بالحاجة الى الاعتراف. لماذا؟ لانهم لم يتعوّدوا على فحص الضمير. والاعتياد على فحص الضمير يتطلّب منّا أن نحاكم انفسنا بصورة منتظمة، كأن نقيم في كلّ مساء وفي ضوء الإنجيل، ما عرض لنا في بحر النهار، وأن نشكر الله ونمجّده على ما أتيناه من صالحات، وأن ندين أنفسنا على ما أتيناه من سيّئات، طالبين من الله الرحمة ومعاهدين إيّاه على بذل قصارى جهدنا لتجنّب الوقوع في هذه السيّئات في المستقبل.
المرجع:
التّوبة والاعتراف. الأب عصام بيطار. حركة الشّبيبة الأرثوذكسيّة. مركز بيروت.
No Result
View All Result