
هو بالحقّ أبونا
القدّيس “صفروني الآثوسي”
من اعتمدوا “بالرّوح القدس والنّار”(لوقا3: 16)، يُدركون في صلاتهم أنّ كلّ لحظة في الحياة هي مُشتَمَلة بالأبديّة الإلهيّة.
يُقبل الرّوح القدس إذ ما كنّا مستعدّين لاستقباله. لا يفرُضُ نفسَه على أحد. يقتربُ بوداعة مطلقة حتّى تجدُنا عاجزين عن التنبّه لحضوره. إن عرفنا الرّوح القدس، كان علينا أن نفحص ذواتنا في نور تعليم الإنجيل، لنستطيع أن نُلاحظ أيّ حضور قد يمنع الرّوح القدس من الدّخول إلى نفوسنا. علينا ألّا ننتظر الله أن يفرض نفسه علينا بدون موافقتنا. الله يحترم ولا يُجبر الإنسان. يا لتواضع الله المذهل أمامنا. يُحبُّنا حبًّا بالغ الرّقّة، لا بترفّع، ولا بتنازل. وعندما نفتح قلوبنا له، يغمُرنا الشّعور اليقينيُّ بأنّه أبونا، عندها تبدأ أرواحُنا بالعبادة حبًّا.
ويذهب القدّيس “غريغوريوس السّينائيّ” إلى أبعد من ذلك بقوله إنّ الصّلاة هي الله ذاته فاعلًا فينا. “أنت صلِّ فيَّ”، هذه كانت الطّلبة الدّائمة لفيلاريت متروبوليت موسكو في القرن الماضي. ولدينا شهادة القدّيس “بولس”: “إذ بما أنّنا أبناء، أرسل الله روح ابنه في قلوبنا صارخًا يا أبا الآب”. (غلا4: 6).
إذ نشتعل برؤية دعوتنا العلويّة، نجاهد لبلوغ غايتنا، وهي شوقنا للحبّ الإلهيّ ليمكث فينا إلى الأبد. بدون هذه الغبطة الأولى للإيمان، بدون هذا السّعي الحقيق لبلوغ الله- الحبّ الّذي يُلهمنا على الدّوام، لا يمكننا تجنّب السّقوط في الضغط السّاحق لهذا العالم الّذي لا يعرف الصّلاة.
الإيمان المعطي الحياة هو الإيقان غير المشروط بالمسيح الإله. فقط، عندما نقبل المسيح إلهًا تامًّا وإنسانًا تامًّا، يكون بإمكان الإنسان بلوغ تمام الخبرة الرّوحيّة الموصوفة من الرّسل والآباء. المسيح هو حجر الزّاوية الّذي عليه يجب أن نبني حياتنا كلّها، الزمنيّة والأبديّة. نوعيّة الهبات الّتي يقدّمها هذا النّوع من الإيمان المفعم بالبهجة هو علامة مصدرها العلويّ.
قال الرّبّ: “وَأَمَّا أَنْتَ فَمَتَى صَلَّيْتَ فَادْخُلْ إِلَى مِخْدَعِكَ وَأَغْلِقْ بَابَكَ، وَصَلِّ إِلَى أَبِيكَ الَّذِي فِي الْخَفَاءِ. فَأَبُوكَ الَّذِي يَرَى فِي الْخَفَاءِ يُجَازِيكَ عَلاَنِيَةً”. (متى6: 6). الصّلاة الأصيلة تعمل في أعماقنا، ونحاول أن نتعلّم كيف نخفي هذا العمل عن العيون الخارجيّة. أودّ أن أتحدّث عن مواضيع مقدّسة تمسّ كلّ واحد منّا، ويحدوني على ذلك الجوّ المشحون الشامل العالم كلّه، وخاصّة، بقناعتي الدّاخليّة أنّنا ننتمي جميعًا للمسيح. لذلك، دعونا كإخوة حقيقيّين نتشارك ما أُعطي لنا أن نعرف من خلال هبة من العُلى. (أسألُكم أن تصلّوا إذ أنتم تقرأون، وأنا أُصلّي ليُلهمني كلامًا مرضيًّا لديه).
المسيح أعطانا الكلمة الّتي قَبِلَها من الآب (يو17، 14). تحدّث عن ذاته كونه الحجر الّذي سيرضّض كلّ من سيسقطون عليه ويحطّم من يسقط هو عليهم (متى21، 44). ماذا إذًا.؟!.. هل نحن من كنّا سقطنا على هذا الحجر العظيم العجيب، أم سقط هو علينا.؟!.. لا نعلم. لكن مهما يكن الأمر، فنحن مندفعين إلى عالم من الحقائق الّتي لم نشكّ في وجودها سابقًا. في الأيّام السّابقة، عندما كانت حياة الأغلبيّة تندفق في القنوات الواسعة للتقاليد الرّاسخة، لم تأتِ كلمة المسيح لتُلقي اضطرابًا. لكن، اليوم، حيث يوجد عالمنا غارقًا في يأس البشر، مع احتجاج الضّمائر الغاضبة، والعنف الّذي يهدّد بسحق كلّ أشكال الحياة، علينا أن نرفع أصواتنا ونجعلها مسموعة. في محنتنا الحالية، الكلمات اللائقة التي لا تلزمنا بأيّة مبادرة ليست كافية . كلّنا اليوم بحاجة ماسّة لاقتناء إيمان راسخ بنصرة المسيح الأبديّة، لكي نقتني نحن أيضًا نصرة غير مقهورة. إنّ تحدّيًا كبيرًا ملقى على عاتقنا نحن، أن نتذكّر مثلًا أنّنا في المعموديّة وُلدنا جديدًا من العلى، على اسم الآب والابن والرّوح القدس. من اعتمدوا “بالرّوح القدس والنّار”(لوقا3: 16)، يُدركون في صلاتهم أنّ كلّ لحظة في الحياة هي مُشتَمَلة بالأبديّة الإلهيّة. في كلّ الأوقات والأماكن نحن محمولون باليد غير المنظورة لأبينا السّماويّ.
المرجع:
https://holytrinityfamily.org/en/article/he-is-indeed-our-father
No Result
View All Result