تأمل في عمل اليد بين الجسد والروح
إن عمل اليد ليس مجرد جهد جسدي، بل هو امتداد للحياة الروحية، إذ يُطلب من الإنسان أن يعمل باعتدال، لا إفراط فيه ينهك الجسد، ولا تفريط يجعله عرضة للبطالة والضجر. وهنا يتجلى التوازن الذي يدعو إليه الآباء القديسون، توازن بين العمل الجسدي والهذيذ الروحي، بين السعي اليومي والتأمل في محبة الله.
عندما ننظر إلى اليد التي تعمل، نرى أنها ليست مجرد أداة، بل هي انعكاس للقلب الذي يلهج بذكر الله. الراهب الذي يضفر الخوص أو ينسج الحصائر، لا ينشغل فقط بالحرفة، بل يجعل من كل حركةٍ صلاة، ومن كل خيطٍ يمتدّ تسبيحًا. وهكذا، يصبح العمل وسيلةً لا تعيق التأمل، بل تعمّقه، تمامًا كما تتحوّل الصلاة إلى عمل مقدّس.
لكن التحدي الأكبر في عمل اليد ليس في الجهد المبذول، بل في القلب الذي يجب أن يبقى متواضعًا. فلا افتخار بما تُنتجه اليد، ولا استعلاء على الآخرين، لأن المجد لا يُنسب إلى العمل نفسه، بل إلى الروح التي تعمل بمحبة وخضوع. وكما قال المسيح: “إذا عملتم كل ما أُمرتم به، فقولوا أننا عبيد بطالون، إنما عملنا ما يجب علينا عمله.”
فلنجعل من أعمالنا اليومية امتدادًا لحياتنا الروحية، ولتكن أيدينا عاملة بقدر ما تكون قلوبنا خاشعة، حتى نصير شهودًا للحقيقة التي عاشها الرهبان عبر العصور: أن العمل ليس نقيض الصلاة، بل هو صلاة بحد ذاته، إذا ما اقترن بالذكر والتواضع والمحبة.
اللهم اجعل عمل أيدينا مباركًا، وأعطنا أن نحيا في ذكرك، فلا ينشغل الجسد إلا بما يرفع الروح إليك. آمين.