الصليب بين الزينة والحقيقة – قصة وعبرة

الصليب بين الزينة والحقيقة
كان ثلاثة أشخاص جالسين معًا، ويتحدثون عن عيد الصليب.
قال الأول:
— أتعرفون ما الذي حدث معي قبل بضعة أيام؟ دخلت إلى بيت جميل للغاية. كل شيء كان مرتبًا: اللوحات على الجدران، التحف، الإضاءة، الأثاث… وكل تفصيل في مكانه.
وبينما كان يحكي، أضاف:
— ولفت انتباهي صليب كبير معلق في مكان بارز. قلت بيني وبين نفسي: «جميل… ما زالت هناك بيوت يكون فيها الصليب في المقام الأول.»
سأل الثاني:
— وما الذي حدث؟
أجابه:
— بعد قليل، انتبهت إلى أن الصليب كان جزءًا من الديكور. كان شكله جميلًا، خشبه فاخرًا، والإضاءة مسلطة عليه… لكن لم يكن هناك أحد يصلي أمامه.
سأله الثالث:
— يعني ماذا حسست؟
صمت الأول قليلًا وقال:
— شعرت بشيء غريب…
الصليب كان موجودًا… لكن المسيح كان غائبًا.
صمت الثلاثة.
وبعد ذلك قال:
— ومنذ ذلك الوقت، ظل سؤال يتردد في رأسي:
متى انتقل الصليب من قلب الإنسان إلى جدران البيت؟
متى أصبح الصليب قطعة ديكور بدلًا من أن يكون طريق حياة؟
قال الثاني:
— لكن ما المشكلة في أن يكون الصليب موجودًا في البيت؟ بالعكس، من الجيد أن الناس ما زالوا يضعون الصليب.
قال الثالث:
— بالتأكيد هو أمر جيد.
المشكلة ليست في الصليب الذي على الجدار.
المشكلة عندما يبقى الصليب على الجدار ولا ينزل إلى القلب.
قال الأول:
— ماذا تقصد؟
قال الثالث:
— اليوم نرى الصليب كثيرًا.
على الرقبة، في السيارة، في البيت، في المكاتب، في المحلات… وحتى أصبح أحيانًا جزءًا من الموضة.
وهذا بحد ذاته ليس خطأ.
لكن السؤال الأهم:
ماذا يعني الصليب بالنسبة لي؟
قال الثاني:
— ربما يكون رمزًا لإيماني.
أجابه:
— صحيح… لكن الإيمان بالصليب ليس فقط أن تحمل الصليب.
الإيمان بالصليب يعني أن تحمل معنى الصليب.
نضع الصليب على صدورنا، لكننا لا نريد أن نغفر.
نضع الصليب في البيت، لكننا لا نريد أن نتصالح.
نرسم الصليب بأيدينا، لكننا لا نريد أن نضحّي.
نقبل الصليب في الكنيسة، ثم ما إن نخرج منها حتى نعود لنعيش وكأن المسيح لم يمت من أجلنا.
صمت الثاني وقال:
— يعني يمكننا أن نكون حاملين للصليب… ولا نكون عائشين للصليب؟
قال الثالث:
— بالضبط.
وهنا يسأل عيد الصليب كل واحد منا سؤالًا ليس سهلًا:
الصليب عندك ما هو؟
رمز؟
ذكرى؟
زينة؟
قطعة ذهب؟
أم هو الطريق الذي تريد أن تمشي فيه وراء المسيح؟
قال الأول:
— لكننا نعرف أن الصليب هو أساس إيماننا.
قال الثالث:
— بالتأكيد.
لأن الصليب في المسيحية ليس مجرد خشبتين متقاطعتين.
الصليب هو المكان الذي قال فيه الله للإنسان:
«انظر كم أنا أحبك.»
على الصليب، لم يعطنا المسيح شيئًا من الخارج فقط.
أعطانا ذاته.
لم يحبنا بالكلام فحسب.
لم يقل: «أحبكم» ويسكت.
حبنا حتى الصليب.
ولهذا يقول القديس بولس:
«وأما من جهتي فحاشى لي أن أفتخر إلا بصليب ربنا يسوع المسيح.»
لأن الصليب يكشف لنا سر الحب.
قال الثاني:
— لكن إذا كان الصليب هو الحب، فلماذا نربطه دائمًا بالألم؟
قال الثالث:
— لأن الحب الحقيقي أحيانًا يكلف.
الأم تتعب من أجل أولادها.
الأب يضحي من أجل عائلته.
الصديق الحقيقي يقف بجانب صديقه وقت الشدة.
والإنسان الذي يحب الله، مطلوب منه أحيانًا أن يصبر، يغفر، يتواضع، ويتحمل.
الصليب ليس أن تتألم وفقط.
الصليب هو أن تححب حتى عندما يكلفك الحب.
وهنا المفارقة الكبيرة.
نحن نعيش في زمن يحب الصليب كصورة، لكنه لا يحب الصليب كحياة.
نحب يسوع المعلق على الصليب، لكننا لا نححب الكلمة التي قالها:
«أحبوا بعضكم بعضًا.»
نحب منظر الصليب، لكننا لا نحب التواضع.
نحب مجد القيامة، لكننا لا نريد أن نمر بطريق الصليب.
نضع صليبًا كبيرًا وفخمًا على الجدار، لكننا أحيانًا لا نستطيع تحمل «صليب» أخِينا الصغير.
قال الأول:
— يعني ماذا يكون الصليب في حياتي؟
قال الثالث:
— الصليب يمكن أن يكون أن تسامح شخصًا أوجعك.
أن تصلح علاقة مقطوعة.
أن تتحمل شخصًا صعبًا.
أن تخدم ولا يشكرك أحد.
أن تقول الحقيقة حتى لو كلفتك.
أن تظل أمينًا حتى عندما لا يراك أحد.
أن تحمل مرضك أو تعبك أو مشكلتك بإيمان، بدلًا من أن تجعلها تبعدك عن الله.
الصليب هو كل مرة يطلب منك الحب تضحية.
قال الثاني:
— لكن هذا صعب!
قال الثالث:
— بالتأكيد هو صعب.
ولهذا لم يقل المسيح:
«إذا كنتم تريدون أن تتبعوني، فتعلقوا صليبًا.»
بل قال:
«من أراد أن يتبعني، فليحمل صليبه ويتبعني.»
وهذا هو الفرق الكبير.
الصليب المسيحي ليس ديكورًا على طريق المسيح؛ الصليب هو طريق المسيح.
صمتوا قليلًا.
ثم قال الأول:
— يعني عيد الصليب اليوم ليس دعوة لأن نزيد عدد الصلبان من حولنا؟
قال الثالث:
— لا.
عيد الصليب هو دعوة لأن نرجع الصليب إلى قلبنا.
أن لا يبقى الصليب معلقًا على الجدار فحسب، بل يصير معلقًا بضميرنا.
أن لا يبقى فقط على صدورنا، بل يصير حاضرًا بقراراتنا.
أن لا يبقى فقط بيد الكاهن، بل يصير حاضرًا بطريقة عيشنا.
قال الأول:
— وإذا أزلنا كل الصلبان المعلقة من حولنا؟
قال الثالث:
— هذا هو السؤال.
إذا أزلنا كل الصلبان المعلقة من حولنا، فهل يبقى الصليب موجودًا في حياتنا؟
إذا لم يعد هناك صليب على الجدار…
فهل يوجد غفران في قلوبنا؟
إذا لم يعد هناك صليب على الرقبة…
فهل توجد محبة في تصرفاتنا؟
إذا لم يعد هناك صليب في السيارة…
فهل يوجد المسيح في طريقة قيادتنا، في صبرنا، في كلامنا، وفي علاقاتنا؟
إذا لم يعد هناك صليب في البيت…
فهل توجد صلاة ومحبة ومصالحة بين أفراد العائلة؟
قال الثاني:
— يعني أجمل صليب ليس الصليب المعلق في مكان مرتفع…
قال الثالث:
— لا.
أجمل صليب هو الصليب الذي ينزل من الجدار ويدخل إلى الحياة.
والأجمل من أن نحمل صليبًا من ذهب…
أن نحمل قلبًا يشبه قلب المسيح المصلوب.
وهنا ربما يجب على كل واحد منا اليوم أن يقف لحظة أمام الصليب ويسأل:
«يا رب…
أين أنا ما زلت رافضًا صليبي؟
من هو الشخص الذي يجب أن أسامحه؟
من هو الشخص الذي يجب أن أصالحه؟
أين يجب أن أضحي؟
أين يجب أن أتواضع؟
أين يجب أن أحب، حتى لو كلفني الحب؟»
لأن المسيح لم يطلب منا أن نحمل الصليب وحدنا.
هو أول من حمل الصليب.
وهو نفسه الذي قال:
«تعال وتبعني.»
يعني كأنه يقول لنا:
«الصليب الذي تخاف أن تحمله… أنا سبقت وحملته.
والوجع الذي تمر به… أنا أعرفه.
والطريق الذي لا تعرف كيف تكمله… أنا أمشيه معك.»
ولهذا اليوم لا نكتفي بأن نقول:
«يا رب، احمينا بصليبك.»
بل نقول:
«يا رب، علمني أن أفهم صليبك.
علمني أن أحب صليبي.
علمني أن أحمل صليب أخي.
وحين يكون الصليب ثقيلًا، لا تسمح أن أبتعد عنك، بل قربني منك أكثر.
حول صليبي من وجع إلى محبة،
ومن تجربة إلى إيمان،
ومن موت إلى قيامة.»
وفي النهاية…
الصليب إذا أصبح ديكورًا…
فقد معناه.
أما إذا دخل إلى القلب…
فسيصبح طريق القيامة.
لأن المسيحية ليست أن يرى الناس الصليب علينا.
المسيحية هي أن يرى الناس المسيح فينا.
التجاوز إلى المحتوى


