يوحنا الدمشقي القديس المفكر وبطل الحقيقة المشرقي

يوحنا الدمشقي القديس المفكر وبطل الحقيقة المشرقي

اسمه منصور بن سرجون ولد في دمشق 676م وتوفي ناسكا في دير مار سابا 749م. شغل جدّه منصور مركز مدير المالية العام وتبوأ حاكمية دمشق في زمن الإمبراطور البيزنطي موريس (موريق) (582-602م) وحتى هرقل (610-641م). ويبدو أنه هو الذي فاوض العرب على تسليم دمشق بعدما هجرت الحامية البيزنطية مواقعها وتركت الدمشقيين لمصيرهم. أما والده سرجون فولاّه معاوية بن أبي سفيان ديوان المالية، في سورية أولاً ثم في سائر أرجاء الدولة الأموية. وقد استمر في وظيفته إلى خلافة عبد الملك بن مروان (685-705م)، أي ما يزيد على الثلاثين عاماً كان خلالها زعيم المسيحيين في دمشق.

ولد لعائلة مسيحية بعض المصادر تقول إنه ‏بيزنطي وبعضها سرياني فيما تبرز أهم الدراسات أنه عربي ابن عربي. ولعله أصلاً من بني تغلب. استوطنت عائلته دمشق قبل القرن السادس للميلاد وكانت على رفعة في المقام والمنصب.

كان مثقفا ومتعلما لدرجة كبيرة. يتقن لغات متعددة مثل اليونانية والسريانية وحتى العربية. ‏ملك يوحنا الفلسفة اليونانية فطوّعه، فيما بعد، لإيضاح الإيمان الأرثوذكسي. وهو من أهم آباء الكنيسة الشرقية ‏فقد كان كاهناً وواعظاً ومعلماً.

 

مادفعني للكتابة عنه بعد قراءة سيرة حياته ومؤلفاته :

إعجابي بهذا القديس ليس فقط من منطلق الحياة النسكية التي عاشها بل وأيضا بسبب عظمة إرثه الروحيّ والفكريّ الذي تجلى في الدفاع بجرأة عن الحقيقة المسيحية في وجه البدع التي ظهرت في عصره. لم يسكت ولم يجامل للحفاظ على مكانته في البلاط الذي كان يعمل فيه بل واجه وناقش بشجاعة نادرة ووقف بدون أي خوف أو تردد في وجه المعتقدات والبدع التي ظهرت آنذاك مستخدما ثقافته ومعلوماته المسيحية وغير المسيحية وداعما أفكاره بالدليل القاطع من الكتب نفسها.

افتقر في الدنيا، وهو رجل الغنى والمجد العالميين، وانصرف باحثا عن الغنى الحقيقي في المسيح. عاش النسك في الصحراء تاركا حياة البلاط والمدن. انصرف لتأليف الأناشيد السماوية، ووضع نظام أنغام الموسيقى فاستحق اسم داود، صاحب المزامير.

كما وضع يوحنّا الأسس اللاهوتيّة لتكريم الأيقونات في وجه محاربيها، وبَنى دفاعه على الركائز الآتية: لا يُمكن تصوير الله في شكلٍ حسّي. أمّا القدّيسون الذين تجلّوا بأجساد على الأرض، فيمكن تمثيلهم بالصوَر. والإكرام موجَّهٌ إلى الشخص المرسوم، لا إلى المادّة، ونميِّز هنا بين الإكرام والعبادة التي لا تليق إلا بالله وحده.

وأخيرًا، الأيقونات كتاب بصريّ يُذكِّر المؤمنين بنِعَم الله ويدعوهم إلى القداسة. فالكتاب المقدس لا يمنع تكريم الصور بل عبادة الأوثان.

نقض البدع والهرطقات بإبداع لا يوصف ودافع بحكمة عن الإيمان وسلّم الكنيسة المعتقد القويم، كتب مؤلفات فاقت أفكار كل الحكماء الذين سبقوه. 

لا شك أن القديس يوحنا الدمشقي كان بطل الحقيقة واجه وكتب ضد الهرطقات بجرأة لم نعد نراها في وقتنا للأسف لم يضطر للمجاملة ولا للسكوت عن قول الحقيقة بل ناقش وجاهر بالحقيقة المسيحية الوحيدة. فقد كان على اطلاع بالأديان والعقائد الأخرى ونتيجة احتكاكه بغير المسيحيين كان يكتب من هذا الإطار وهذا ما جعله مدافعا شرس عن المسيحية. 

 

علاقة هذا القديس بالعذراء والدة الإله:

دافع القديس يوحنا الدمشقي عن الأيقونات وجاهر بهرطقة الإمبراطور لاون الذي أراد أن يخنق صوت الدمشقي عن بعد وبالحيلة. لهذا استدعى أمهر الخطّاطين وطلب منهم أن ينسخوا له رسالة مزورة مطابقة لخط الدمشقي. مضمون الرسالة كان الاستعانة بالإمبراطور على الخليفة. أمر الخليفة  بقطع يد القديس اليمنى وتعليقها في ساحة المدينة العامة. وبالحيلة استردّ يوحنا يده المقطوعة متذرعاً بضرورة دفنها. فأخذها ودخل بها إلى بيته وارتمى عند إيقونة لوالدة الإله جاعلاً اليد المقطوعة على مفصله، وصلّى بدموع غزيرة. وفيما هو مستغرق في صلاته غفى، وإذا بوالدة الإله تتراءى له في الحلم قائلة: “ها إن يدك قد عوفيت الآن، فاجتهد أن تحقّق ما وعدت به بدون تأخير”. فاستيقظ يوحنا من النوم ليكتشف أن يده قد عادت بالفعل صحيحة وموضع القطع ظاهر عليها كخط أحمر. ومن هذه الأعجوبة برزت أيقونة والدة الإله ذات الثلاثة أيدي.

إثر الأعجوبة، كما ورد في التراث، حاول الخليفة استعادة يوحنا ووعده بإكرامات جزيلة، لكن قديسنا كان قد زهد في الدنيا وتشوّف إلى الحياة الملائكية. وقد ترك هو وأخوه بالتبني، قزم، دمشق ووجّها طرفهما ناحية دير البار سابا المتقدس، بعدما وزّع أمواله على الفقراء والمحتاجين وصرّف سائر شؤونه الدنيا.

 

ماذا نتعلم من يوحنا الدمشقي

نتعلم من القديس يوحنا الدمشقي دروساً عديدة في الفكر والروح والثقافة: 

1- الجمع بين الثقافات واللغات: وُلِد في دمشق وتربى فيها، فجمع بين إتقان اللغة العربية، واستخدام السريانية، والكتابة باليونانية، مما يظهر قدرة الإنسان على الانفتاح الحضاري وإتقان أدوات متعددة للتعبير. 

2- التزهد والترفع عن المناصب: ترك منصبه الرفيع في إدارة المال ببلاد الشام في عهد الدولة الأموية واختار حياة الرهبنة والتنسك في دير مار سابا قرب القدس.

3- إثراء الفن والموسيقى: وضع الأسس للموسيقى والتراتيل البيزنطية وكتب ألحاناً ما زالت تُستخدم في الكنائس حتى اليوم (مثل خدمة مديح السيدة العذراء). 

4- العمق اللاهوتي والفلسفي: ألّف كتاب “ينبوع المعرفة” الذي أصبح مرجعاً أساسياً في الفكر المسيحي لقرون طويلة، وتأثر به كبار اللاهوتيين مثل القديس توما الأكويني. وكتاب الهرطقة مئة.

5- الغيرة والدفاع عن العقيدة والفن الروحاني: صاغ الأسس اللاهوتية لإكرام الأيقونات والتمييز بين الإكرام والعبادة خلال فترة الصراعات حولها. 

6- بدايات الحوار والنقاش الديني: يُعد من أوائل من كتبوا وردّوا في سياق النقاش العقائدي بين المسيحية والإسلام الناشئ عبر مؤلفات مثل “مجادلة بين مسلم ومسيحي”.

 

تحتفل الكنيسة الأرثوذكسية والكاثوليكيّة في 4 ديسمبر/كانون الأوّل من كلّ عام بتذكار القدّيس يوحنّا الدمشقيّ أحد أبرز وجوه اللاهوت والفكر المسيحيّ في المشرق.

كم نحن بحاجة لهكذا قديس مفكر في عصرنا هذا.

 

كاتب النص: الآدمن 

المراجع: Greek Orthodox Patriarchate of Antioch and All the East

أيقونة شكراً لدعمكم أيقونة
استماع إلى المقال
1.00x