تأمل في العمل كطريق للخلاص
العمل ليس مجرد وسيلة لكسب العيش أو لإشغال الوقت، بل هو جزء لا يتجزأ من الطريق الروحي، كما يعلّمنا الآباء القديسون. فالإنسان الذي يلازم العمل يبتعد عن فخ البطالة، التي هي بابٌ لكل الرذائل، كما قال القديس نيلوس: “البطالة هي مبدأ كافة الأعمال الشريرة وأول ظلمة النفس.”
عندما يعمل الإنسان، لا يعمل فقط بيديه، بل بروحه أيضًا، لأنه يجعل من كل جهدٍ يبذله وسيلةً لمقاومة الضجر، وتنقية القلب، وتقديس الحياة اليومية. وكما كان القديسون يعملون بأيديهم حتى حين لا يحتاجون إلى ذلك، فإنهم أدركوا أن العمل نفسه نوع من العبادة، وطريقة لإبقاء القلب منشغلاً بالله، بعيدًا عن الأفكار الباطلة والانشغالات الفارغة.
في هذا السياق، نرى كيف أن الأب يوحنا القصير أراد أن يعيش كالملائكة، بلا همّ العمل، لكنه أدرك بعد اختبار مرير أن الإنسان على الأرض مدعوّ للعمل، لأنه بدون عمل، يفسح المجال للفراغ الداخلي الذي يملؤه العدو بالشرور والهموم الباطلة.
والرسول بولس، الذي كان إناءً مصطفى، لم يترفّع عن العمل اليدوي، بل كان يعمل بيديه، ليكون مثالاً، ويؤكد أن الكدّ والتعب هما جزء من حياة المؤمن، وليس فقط وسيلة للعيش، بل أيضًا لتزكية النفس وتقوية الإرادة.
إن العمل، كما يوضّح الأب تلاسيوس، ليس فقط ضرورة جسدية، بل هو قانون روحي: “بالكيل الذي به تكيل لجسمك يكيل لك الله به ضعفه.” فكما نتعب هنا، نستريح هناك، وكما نحيا بالجهد والتعب، نحظى بالراحة والثواب في الحياة الأبدية.
فلنجعل من أعمالنا اليومية تقدمة لله، ولننظر إلى العمل لا كعبء، بل كطريق للنمو الروحي، وكحماية من الفتور والتهاون. ولنصلي أن يمنحنا الله القوة لنعمل باعتدال، وبقلب ممتلئ بحضوره، حتى نعيش حقًا كما دُعينا: “عاملين لا باطلين، مثابرين لا متكاسلين، مجاهدين لا مستسلمين.”
اللهم أعطنا نعمة العمل في محبتك، واجعل تعب أيدينا مصدر بركة لنفوسنا، حتى نبلغ بك إلى الراحة الحقيقية. آمين.