الأجهزة الإلكترونية أثناء العبادة الكنسية

الأجهزة الإلكترونية أثناء العبادة الكنسية

إنَّ الكنيسة الأرثوذكسية المقدَّسة، في حكمتها الروحية والآبائية، لا تنظر إلى العبادة الإلهية بوصفها اجتماعًا بشريًّا عابرًا، ولا بوصفها وقتًا يمكن فيه للإنسان أن ينشغل بما يشاء من أمور العالم، بل تراها دخولًا في سرِّ حضور الله، واشتراكًا في الحياة الإلهية، ووقوفًا مهيبًا أمام العرش السماوي. ففي الكنيسة، ولا سيما أثناء إقامة القداس الإلهي وسائر الصلوات والخدمات الكنسية، يقف المؤمن مع «الخوف والإيمان والمحبة»، مشتركًا مع الملائكة والقديسين في تمجيد الله.

ومن هنا، فإنَّ حفظ الذهن والقلب والحواس من كل تشتّت ليس أمرًا ثانويًّا أو شكليًّا، بل هو من مقتضيات الوقوف أمام الله. فالعبادة الأرثوذكسية تطلب من الإنسان أن يجمع نفسه من تشتّت العالم، وأن يردَّ عقله إلى قلبه، وأن يصير بكليته حاضرًا أمام الله.

ولذلك، فإننا نرى أنَّه من غير اللائق استعمال الهواتف المحمولة أو الحواسيب اللوحية أو أجهزة الألعاب الإلكترونية وما شابهها أثناء الخدمات والصلوات الكنسية، ما لم تكن هناك ضرورة كنسية أو رعوية حقيقية.

ولا يعود الأمر هنا إلى كون الجهاز الإلكتروني شرًّا في ذاته؛ فالكنيسة لا تحكم على الأشياء المادية بحسب صورتها، وإنما بحسب كيفية استعمال الإنسان لها وموضع استعمالها وغايته. فالإنترنت والتقنية يمكن أن يكونا وسيلة نافعة للتعليم والخدمة ونشر كلمة الله، ولكن الوسيلة النافعة في موضعٍ ما قد تصبح سببًا للتشتّت في موضع آخر.

وهذا هو حال الهاتف المحمول بصفة خاصة؛ إذ إنَّ مجرَّد فتحه أثناء الصلاة قد يفتح أمام الإنسان أبوابًا كثيرة من الانشغال. فالهاتف اليوم ليس كتابًا إلكترونيًّا فحسب، بل هو جهاز متصل بالعالم كله: قد تصل رسالة عبر Messenger أو Viber أو WhatsApp، أو تظهر صورة أو إشعار أو اتصال أو تنبيه من أي تطبيق آخر. وقد تكون الإشارة صغيرة جدًّا، ولكنها كافية لأن تجذب العين، ثم الفكر، ثم القلب، فينتقل الإنسان — ولو للحظات — من الصلاة إلى أمر آخر.

وهنا تكمن المشكلة الحقيقية: ليس المهم فقط كم دقيقة استعمل الإنسان الهاتف، بل إلى أين انتقل قلبه وعقله بسبب استعماله.

قد يفتح الإنسان الهاتف لكي يقرأ صلاة أو مزمورًا أو نصًّا كنسيًّا، ثم تلمع أمامه رسالة، فيقرأها، ثم يفكر في الرد عليها، ثم يجد نفسه بعد لحظات بعيدًا بفكره عن الصلاة التي كان قائمًا فيها. وهكذا ينتقل الإنسان جسديًّا من العبادة إلى شاشة الهاتف، وإن بقي جسده واقفًا في الكنيسة.

أما الكنيسة الأرثوذكسية، فتراثها لا يقوم على تشتيت الذهن، بل على جمع الإنسان كله في الصلاة: العقل والقلب والحواس والجسد.

والكنيسة أعطتنا الكتب الكنسية لهذا الغرض.

إنَّ في كنيستنا الأرثوذكسية تراثًا كنسيًّا حيًّا لم يتكوَّن اعتباطًا، بل نُقل إلينا عبر الأجيال، ونظّمه الآباء والكنيسة بالاستنارة والإرشاد الإلهي، لكي تكون للعبادة صلاتها ونظامها ونصوصها وترتيبها، ولكي يشترك المؤمنون في الصلاة نفسها، وفي الكلمات نفسها، وفي الروح الكنسية الواحدة.

ولهذا، فإن وجود الكتب الكنسية المطبوعة بين أيدي المؤمنين، وتوزيعها عليهم لتسهيل متابعتهم للخدمة، ليس أمرًا قديمًا ينبغي استبداله بالضرورة بكل وسيلة حديثة، بل هو امتداد عملي لروح تقليدنا الكنسي.

فعندما يمسك المؤمن كتاب الصلاة أو كتاب الخدمة بين يديه، فإنَّه يمسك وسيلة مخصَّصة للعبادة. أما الهاتف، فعلى الرغم من إمكان احتوائه على النص نفسه، فهو في الوقت ذاته بوابة إلى عشرات ومئات الأمور الأخرى التي لا علاقة لها بالصلاة.

وهنا يظهر الفرق بين الوسيلة التي تخدم العبادة والوسيلة التي يمكن أن تسحب الإنسان من العبادة إلى العالم.

إنَّ الكتاب الكنسي لا يرسل إشعارًا، ولا يستقبل رسالة، ولا يُظهر صورة مفاجئة، ولا ينبّهك إلى محادثة، ولا يدعوك إلى فتح تطبيق آخر.

إنه موضوع أمامك لخدمة واحدة، أن تصلّي وتتابع الصلاة.

والموضوع أيضًا موضوع تقليد كنسي.

نحن، كأرثوذكسيين، لا نعيش إيماننا بحسب ما يستجد في كل عصر، ولا نبدّل عادات العبادة كلما ظهرت وسيلة تقنية جديدة. بل نحن أبناء παραδόσεως — التقليد المقدس، أي التقليد الحي الذي تسلّمناه من الكنيسة، وحفظه الآباء، وعاشته الجماعة المؤمنة، وانتقل إلينا جيلًا بعد جيل.

والتقليد الأرثوذكسي ليس مجرد التمسك بأشياء قديمة لمجرد أنها قديمة، بل هو حفظ روح العبادة وطريقتها ووقارها، مع استعمال الوسائل الحديثة حيث تخدم حياة الكنيسة دون أن تُفسد روحها.

ومن هنا، فإن رفض استعمال الهاتف أو الأجهزة الإلكترونية أثناء الخدمة لا يعني رفض التكنولوجيا، ولا يعني أن الكنيسة ضد العصر، بل يعني أن لكل شيء موضعه.

الهاتف له مكانه، والإنترنت له مكانه، والتقنية لها مكانها؛ أما حين نقف في حضرة الله، فللصلاة مكانها الأول.

فيشمل الجميع، كبارًا وصغارًا!

وهذا التوجيه لا يختص بالأطفال أو بالشباب وحدهم، بل يشمل جميع المؤمنين، كبارًا وصغارًا، من دون استثناء. فالحاجة إلى جمع الذهن وحفظ القلب من التشتّت هي حاجة كل إنسان يقف في حضرة الله، مهما كان عمره أو مقامه أو خدمته.

بل إن التزام الكبار بهذا الأمر يحمل في ذاته قيمة تربوية وروحية عظيمة؛ لأن الأطفال والشباب يتعلمون قبل الكلام من خلال ما يرونه في سلوك الكبار. فإذا رأى الطفل والديه، وخدّام الكنيسة، وسائر المؤمنين، يضعون هواتفهم جانبًا أثناء الصلاة، ويتابعون الخدمة من الكتب الكنسية الموضوعة بين أيديهم، فإنه يتعلم عمليًّا أن العبادة الإلهية لها حرمتها ووقارها، وأن الكنيسة ليست موضعًا لاستعمال الهاتف أو متابعة الرسائل والإشعارات أو الانشغال بالألعاب، بل موضع حضور أمام الله.

ومن ثمّ، فليست القضية قضية كبار أو صغار، ولا قضية هاتف أو كتاب فحسب، وإنما هي قضية أعمق: كيف نقف أمام الله؟ وكيف نُعلِّم أنفسنا وأبناءنا أن نعطي الله في وقت الصلاة كامل انتباهنا وحضورنا؟

فكما أن الكنيسة تجمع أبناءها جميعًا حول المذبح الإلهي، هكذا ينبغي أن يجتمع عقل الجميع وقلبهم وحواسهم في الصلاة الواحدة، دون ما يقطع الشركة أو يشتّت الذهن أو يصرف النظر عن الخدمة الإلهية.

فالكتاب في يد الكبير كما في يد الصغير، والصلاة تجمع الكبير والصغير، والوقار الكنسي مسؤولية الكبير والصغير. وكلنا، حين نقف في الهيكل المقدس، مدعوون إلى أن نترك عنّا مشاغل العالم، ونرفع القلب والعقل إلى الله.

لذلك، ايها الاحباء، فإن دعوتنا إلى عدم استعمال الهواتف المحمولة والحواسيب اللوحية وأجهزة الألعاب أثناء الخدمات الكنسية ليست تشددًا شكليًّا، ولا موقفًا عدائيًّا من التكنولوجيا، وإنما هي دعوة إلى الوقار الكنسي، وجمع الذهن، وحفظ القلب، واحترام قدسية العبادة، والالتزام بروح التقليد الأرثوذكسي.

فلنترك في أثناء الصلاة ما يمكن أن يربطنا بضجيج العالم، ولنأخذ بأيدينا ما أعطتنا إياه الكنيسة من كتب وصلوات ونصوص، ولنجعل وجودنا في الكنيسة وجودًا كاملًا، جسدًا واقفًا، وعقلًا حاضرًا، وقلبًا مصليًا، وروحًا متجهة إلى الله.

فحين نسمع الدعوة الكنسية: «لِنَقِفْ حَسَنًا، لِنَقِفْ بِخَوْفٍ، لِنُصْغِ»،

إنما تُدَعَى كلُّ ذواتنا إلى الوقوف أمام الله؛ فلا ينبغي أن تكون أعيننا في موضع، وآذاننا في موضع، وعقولنا في موضع آخر، بينما جسدنا وحده قائم في الكنيسة.

لأننا حين ندخل الكنيسة، لا ندخل إلى شاشةٍ جديدة من شاشات العالم، بل ندخل إلى حضرة الله.

فلنصلِّ إلى الرب أن يُلهمنا بروحه القدوس، وأن يرشدنا إلى كل عمل صالح، وأن ينير كل إنسانٍ آتٍ إلى العالم، لما فيه خلاص نفوسنا وخلاص الآخرين. آمين.

الصفحة الرسمية لسيادة المطران عطا الله حنا / القدس

أيقونة شكراً لدعمكم أيقونة