حين يتحول الجسد إلى استعراض في النادي الرياضي… والدخان إلى «ستايل»!

حين يتحول الجسد إلى استعراض… والدخان إلى «ستايل»!

هناك شيء لم يعد يحتاج إلى مجاملة.
نحن أمام تناقض مخيف، وانحدار في مفهوم الحياء، وتطبيع لأشياء كان الإنسان يستحي أن يفعلها أمام الناس، ثم صار اليوم يصورها وينشرها ويفتخر بها أمام الآلاف.
شباب وصبايا يذهبون إلى الجيم لممارسة الرياضة، وهذا في ذاته أمر جيد.
الرياضة ليست خطيئة.
والاهتمام بالجسد والصحة ليس خطيئة.
والقوة واللياقة ليست خطيئة.
لكن منذ متى أصبحت الرياضة تعني أن يتحول الجسد إلى واجهة للاستعراض؟
منذ متى أصبح تصوير كل عضلة وكل جزء من الجسد ونشره أمام الجميع جزءاً من «الرياضة»؟
ومنذ متى أصبحت عبارة: «هذا جيم، وهذا لبس رياضة» تصبح تصريحاً بإلغاء الحياء؟
القديس يوحنا الذهبي الفم كان واضحاً جداً في حديثه عن الزينة والملبس، إذ يربط الزينة الحقيقية بالعفة والوقار والتواضع، لا بما يجذب أنظار الناس. بل يقول إن الإنسان ينبغي أن يهتم بزينة النفس أكثر من زينة الجسد.
وفي تفسيره لعبارة بولس الرسول عن «اللباس المحتشم»، يشرح أن اللباس المحتشم هو ما يستر الجسد بصورة لائقة، ويحذر من تحويل المظهر إلى وسيلة لجذب الأنظار.
وهنا نسأل: هل نحن فعلاً نمارس الرياضة… أم نمارس الاستعراض باسم الرياضة؟
لأن هناك فرقاً شاسعاً بين أن تتمرن، وبين أن تجعل جسدك محتوى.
والأغرب هو هذا التناقض!
نجد أحياناً شاباً أو فتاة يقول:
«هذا عيب!»
«غطِّ هذا المكان!»
«ممنوع تظهر هكذا!»
ثم في الصورة التالية:
لا مشكلة في كشف أجزاء أخرى من الجسد!
أي منطق هذا؟
هذا المكان عيب… وهذا المكان عادي؟
هذا ممنوع… وهذا مسموح؟
هذه المنطقة يجب تغطيتها… أما الأخرى فمفتوحة أمام مئات وآلاف العيون؟
هل الحياء أصبح خريطة نرسم حدودها حسب مزاجنا؟
هل أصبح المقياس: «كم أستطيع أن أكشف دون أن يصل الأمر إلى ما يعتبره الناس عرياً كاملاً؟»
إن كان هذا هو المقياس، فقد ضاع المعنى قبل أن يصل الإنسان إلى مرحلة العري.
القديس يوحنا الذهبي الفم يحذر من أن الاهتمام المفرط بالمظهر الخارجي يمكن أن يجعل الإنسان يهمل زينة النفس، ويشير إلى أن ما يجمّل الإنسان حقاً هو الفضيلة والعفة والوقار.
ثم نأتي إلى الدخان… وهنا الكلام يصبح أقسى.
سيجارة.
أرجيلة.
Vape.
سجائر إلكترونية.
تبغ مسخن.
ونرى أيضاً السيجارة التي تُباع بالمفرد، والتي تُعرف محلياً باسم النَّفَل.
وكل واحد له تبرير:
«أنا حر.»
«مزاج.»
«جلسة شباب.»
«أرجيلة مش سيجارة.»
«Vape مش دخان.»
«نكهة بس.»
لكن القديسين لم ينظروا إلى التدخين بهذه الرومانسية.
القديس نيقوديموس الآثوسي من أشد الأصوات الأرثوذكسية وضوحاً في مواجهة التدخين.
وفي كتاباته عن الأخلاق والحياة الروحية، وصف التدخين بأنه «بخور الشيطان»، وربطه بإفساد صحة الجسد وإضعاف الحياة الأخلاقية والروحية. وتوجد إشارات موثقة إلى تناوله الموضوع في Manual of Counsel وكتابات روحية أخرى.
وهذا التعبير ليس مجرد «جملة جميلة» للسوشيال ميديا. إنه يحمل معنى روحياً قوياً:
في الكنيسة نرفع البخور كعلامة للصلاة والعبادة.
أما دخان التبغ، فيُقدَّم في هذا التقليد الآبائي بصورة ساخرة ومؤلمة باعتباره «بخور الشيطان».
ولهذا نُقلت عن تقليد جبل آثوس عبارة: «دخان التبغ هو بخور الشيطان.»
والقديس أمبروسيوس من أوبتينا تحديداً…
يُنسب إليه في كتابات روحية عن التحرر من التدخين أن التبغ يزيد الشهوات ويقويها، ويُظلم العقل، ويدمر الصحة ببطء، وأن طريق التحرر يبدأ بالحزم والصلاة والاعتراف وطلب المساعدة الروحية.
لاحظوا التعبير:
يزيد الشهوات.
يظلم العقل.
ويستعبد الإنسان.
وهنا نصل إلى جوهر المشكلة.
المسيحية لا تسأل فقط: «هل هذا ممنوع؟»
بل تسأل: «هل أصبحت عبداً له؟»
والقديس سيلوان الآثوسي في الشهادات المنقولة عن تعليمه حول التدخين، الفكرة الأساسية شديدة الوضوح: إذا كان التدخين يعطل الصلاة، فعلى الإنسان أن يتركه. وهذا يقودنا إلى السؤال الحقيقي:
إذا كنت تقول: «لا أستطيع أن أعيش بدونه.» فهل أنت فعلاً حر؟
أم أن السيجارة أصبحت أقوى من إرادتك؟ والـVape أقوى من قرارك؟ والأرجيلة أقوى من ضبط نفسك؟
والقديس يوحنا كرونشتادت تُنسب إليه عبارة شديدة القسوة: «الشيطان هو أبو السيجارة.» وقد يبدو التعبير صادماً.
لكنه بالضبط من النوع الذي كان الآباء يستخدمونه لكسر التبرير والتساهل مع العادات المستعبدة. لأن المشكلة ليست في الدخان وحده. المشكلة في الاستعباد.
والآن تعالوا إلى وسائل التواصل الاجتماعي.
هناك من ينشر جسده.
ومن ينشر سيجارته.
ومن ينشر أرجيلته.
ومن ينشر الـVape.
ومن يصور كل جلسة وكل سهرة وكل تفصيل من حياته.
ثم ينتظر:
الإعجاب.
التعليق.
المتابعة.
النظرات.
الاهتمام.
حتى أصبح بعض الناس يعيشون حياتهم وكأنهم في استوديو تصوير دائم. ليس مهماً أن يعيش الإنسان حياة جيدة… المهم أن تبدو حياته جيدة أمام الآخرين. وهنا يبدأ الخطر.
لأن الإنسان قد يتحول من: «أنا أعيش»
إلى: «أنا أُظهر للناس أنني أعيش.»
ومن: «أنا أمارس الرياضة.»
إلى: «أنا أريد أن يراني الناس وأنا أمارس الرياضة.»
ومن: «أنا أستمتع.»
إلى: «أنا أريد أن يراني الناس وأنا أستمتع.»
ومن: «أنا واثق بنفسي.»
إلى: «أحتاج إعجاب الآخرين حتى أشعر أنني مهم.»
وهنا لا تعود المشكلة في الملابس فقط.
ولا في السيجارة فقط.
ولا في الصورة فقط.
المشكلة أصبحت في القلب.
«أَمْ لَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ أَجْسَادَكُمْ هِيَ هَيْكَلٌ لِلرُّوحِ الْقُدُسِ؟» (1 كورنثوس 6: 19)
ثم يقول الرسول: «فَمَجِّدُوا اللهَ فِي أَجْسَادِكُمْ وَفِي أَرْوَاحِكُمُ الَّتِي هِيَ لِلَّهِ.» (1 كورنثوس 6: 20)
الجسد ليس شيئاً نكرهه. لكن الجسد أيضاً ليس إعلاناً تجارياً، وليس وسيلة لجمع الإعجابات، وليس مادة للاستعراض أمام الغرباء.
والرياضة ليست المشكلة. تحويل الرياضة إلى ذريعة لإلغاء الحياء هو المشكلة.
والتدخين ليس «حرية». إذا كنت لا تستطيع التوقف، فهذه ليست حرية… هذه عبودية.
والـVape ليس «مجرد بخار».
والأرجيلة ليست «أخف».
والنكهة لا تجعل السماء أكثر صحة.
والصورة لا تصبح محترمة لمجرد أنها حصدت ألف إعجاب.

فلنتوقف عن الكذب على أنفسنا.

ليس كل ما هو منتشر صحيحاً.

ليس كل ما يفعله المشاهير فضيلة.

ليس كل ما يجمع الإعجابات يستحق الإعجاب.

ليس كل ما تسميه وسائل التواصل «ثقة بالنفس» هو ثقة بالنفس.

وأحياناً…

أقوى صورة يمكن أن تنشرها هي الصورة التي قررت ألا تنشرها. وأقوى كلمة يمكن أن تقولها هي: «لا.»

وأقوى انتصار ليس أن تجعل مئات الناس ينظرون إليك… بل أن تكون قادراً على أن تعيش دون أن تحتاج إلى نظراتهم.

فالقديسون لم يدعونا إلى كراهية أجسادنا. دعونا إلى ضبطها. لم يدعونا إلى إهمال صحتنا. دعونا إلى تكريمها. لم يدعونا إلى الهروب من العالم. دعونا إلى ألا نصبح عبيداً له.

ولهذا، قبل أن تقول: «أنا حر.»

اسأل نفسك:

هل أنا فعلاً حر… أم أنني فقط أفعل ما اعتاد الجميع أن يفعلوه؟

وقبل أن تقول: «هذا جيم.»

اسأل: هل أمارس الرياضة… أم أمارس الاستعراض؟

وقبل أن تقول: «مجرد سيجارة.»

اسأل: إذا كانت مجرد سيجارة، فلماذا لا أستطيع تركها؟

وقبل أن تضغط: «نشر.»

اسأل: هل ما سأضعه أمام عيون الناس يكرّم الله… أم يطلب إعجاب الناس؟

هنا يبدأ الحياء.

وهنا تبدأ الحرية.

وهنا يبدأ الإنسان باستعادة نفسه.

**لأن المشكلة ليست أن العالم تغيّر فقط… المشكلة أن بعض المسيحيين بدأوا يتغيرون معه، ثم يبحثون عن آية أو تبرير كنسي ليقولوا إن كل شيء أصبح طبيعياً.**

لا.

ما كان يحتاج إلى تبرير بالأمس، لا يصبح فضيلة اليوم لمجرد أن عدد الذين يفعلونه أصبح أكبر.

والكنيسة ليست مطالبة بأن تسمي الانحلال «تطوراً»، ولا الاستعراض «حرية»، ولا العبودية «اختياراً». «كُلُّ الأَشْيَاءِ تَحِلُّ لِي، لَكِنْ لَيْسَ كُلُّ الأَشْيَاءِ تُوافِقُ.» (1 كورنثوس 10: 23)

ليس السؤال: هل أستطيع أن أفعل؟ السؤال المسيحي الحقيقي: هل يليق بي أن أفعل؟

صفحة المنارة الأرثوذكسية

أيقونة شكراً لدعمكم أيقونة