بقايا كنيسة ودير تاريخيين في جزيرة صير بني ياس بإمارة أبوظبي – كنائس متفرقة

الكنيسة التي نامت ألف عام تحت رمال الخليج
القصة: تشير إلى الدير والكنيسة الأثرية المكتشفة في جزيرة صير بني ياس في إمارة أبوظبي بدولة الإمارات العربية المتحدة
التاريخ: يعود الدير إلى القرن السابع الميلادي تقريباً، وظل مدفوناً تحت الرمال قروناً طويلة ليثبت وجود مجتمع مسيحي تاريخي في المنطقة قبل الإسلام.
تخيّل أنك تسير في جزيرة عربية هادئة، تحيط بك الصحراء والبحر والحيوانات البرية…
ثم تكتشف فجأة أن تحت قدميك بقايا كنيسة ودير مسيحي عمرهما أكثر من ألف عام!
هذه ليست رواية من كتاب قديم، ولا أسطورة تناقلتها الأجيال…
إنها جزيرة صير بني ياس في أبوظبي.
في أوائل التسعينيات، بدأ علماء الآثار أعمال التنقيب في الجزيرة، فاكتشفوا بقايا مجتمع مسيحي عاش هناك منذ ما يقرب من 1300 عام. وكان الاكتشاف يتكون من كنيسة، ودير، وعدد من البيوت ذات الأفنية. وتشير الأدلة إلى أن الموقع يعود إلى القرنين السابع والثامن الميلاديين. (Experience Abu Dhabi)
لكن المفاجأة لم تكن في العثور على مبنى قديم فقط… بل في السؤال:
من كانوا هؤلاء المسيحيين الذين عاشوا هنا وسط مياه الخليج؟
تكشف آثار صير بني ياس عن مجتمع لم يكن منعزلًا عن العالم.
فقد وجد علماء الآثار مئات القطع الأثرية، من بينها الزجاج والفخار، تشير إلى أن سكان الجزيرة كانوا جزءًا من شبكة تجارية واسعة امتدت عبر الخليج العربي والمحيط الهندي.
كانوا يأكلون من البحر، ويربون الأبقار والأغنام والماعز، ويعيشون في مجتمع مستقر حول الدير والكنيسة. (Experience Abu Dhabi)
وهنا تصبح الصورة أكثر جمالًا…
تحت شمس الخليج القاسية، وعلى جزيرة تبدو اليوم كأنها مجرد محمية طبيعية، كانت هناك منذ أكثر من ألف عام جماعة مسيحية تصلي وتعيش وتعمل وتتاجر.
لم يعتمد علماء الآثار على التخمين.
فقد عُثر على قطع من الجص المزخرف تحمل صلبانًا، إلى جانب زخارف نباتية مثل العنب والكروم والنخيل.
كما أن تصميم المبنى نفسه يشبه تصميم كنائس مسيحية قديمة أخرى عُثر عليها في مناطق مختلفة من الخليج. (Abu Dhabi Culture)
ومن بين أجمل ما عُثر عليه أجزاء من الزخارف الجصية التي كانت تزين الكنيسة من الداخل والخارج.
تخيّل ذلك المشهد…
رهبان يصلّون داخل كنيسة صغيرة، والجدران من حولهم مزينة بالصلبان والكروم والنخيل، بينما البحر أمامهم يحمل السفن القادمة من أماكن بعيدة.
إنه مشهد مختلف تمامًا عن الصورة التي قد يتخيلها الإنسان عن الخليج في ذلك الزمن.
في عام 2025، وبعد أكثر من 30 عامًا من أولى الحفريات الكبرى، عاد علماء الآثار إلى الموقع.
وكانت المفاجأة:
اكتشفوا صليبًا مسيحيًا جديدًا مصبوبًا على لوح من الجص.
وترجح دائرة الثقافة والسياحة في أبوظبي أنه ربما كان شيئًا استخدمه الرهبان في التأمل الروحي.
والأكثر إثارة أن أسلوب الصليب يشبه نماذج عُثر عليها في العراق والكويت، ويرتبط بالتقاليد التاريخية لـ كنيسة المشرق. (Abu Dhabi Media Office)
أي أن القصة ليست مجرد بقايا كنيسة منعزلة…
بل يبدو أن صير بني ياس كانت جزءًا من شبكة مسيحية أوسع امتدت عبر الخليج، وربطتها التجارة والرهبنة بمناطق أخرى مثل الكويت والساحل الإيراني وشرق السعودية. (DCT Abu Dhabi Library)
ربما لأن البحر كان هو الطريق.
قبل الطائرات والطرق السريعة والحدود الحديثة، كان الخليج طريقًا ضخمًا للتجارة والحركة البشرية.
وصير بني ياس كانت تتمتع بمياه عذبة ومرافئ آمنة وموارد بحرية، ولذلك استُخدمت الجزيرة كمكان للعيش والاستقرار منذ آلاف السنين. (Culture & Tourism Abu Dhabi)
وهكذا لم يكن الدير بعيدًا عن العالم…
بل كان جزءًا من عالم بحري واسع.
لأكثر من ألف سنة، بقيت الكنيسة والدير صامتين.
مرّت دول وإمبراطوريات…
وتغيّرت طرق التجارة…
وتغيرت أديان وثقافات المنطقة…
لكن بقايا الجدران بقيت هناك، تحت الأرض، تنتظر من يكتشفها.
ثم جاء علماء الآثار في القرن العشرين…
فخرجت القصة من الظلام.
واليوم يمكن للزائر أن يرى الموقع بعد أعمال الحماية والترميم، كما افتُتح مركز للزوار عام 2023 يعرض مجموعة من القطع الأثرية التي تكشف تاريخ الجزيرة الطويل. (Experience Abu Dhabi)
وربما أجمل ما تقوله لنا صير بني ياس ليس فقط: “كان هناك مسيحيون في الخليج منذ أكثر من ألف عام.”
بل شيئًا أعمق: أن التاريخ الذي نعرفه اليوم ليس دائمًا كاملًا…
فأحيانًا تكون هناك كنيسة بأكملها، ودير، وحياة بشرية كاملة…
مدفونة تحت الأرض، تنتظر ألف عام حتى يخبرنا حجرٌ صغير كيف كان يعيش أناسٌ عاشوا قبلنا.
صير بني ياس… جزيرة ظن الناس أنها تخبئ حيواناتها فقط، فإذا بها تخبئ أيضًا قصة مسيحية عمرها أكثر من ألف عام.

التجاوز إلى المحتوى


