الطَّوباوي الْبِطْرِيرك الْيَاسُ الْحُويك بَيْنَ الْقَدَاسَة وَالوَطَنِيَّة – المونسينيور ميشال فريفر

الطَّوباوي الْبِطْرِيرك الْيَاسُ الْحُويك

بَيْنَ الْقَدَاسَة وَالوَطَنِيَّة

   أَحْدَث الْبِطْرِيرك الْحُويك[1] حِرَاكاً وَطَنِياً عَلَى أَرْض وَطَنِه لُبْنَان قَبْلَ أَنْ يُولَدَ وَيُدعَى “لُبْنَان الْكَبِيرِ”. لَمْ يَكُنْ لُبْنَان مُؤَهَّلًا شُعْبَه فِي حِينِهِ لِلِاسْتِقْلَال[2]. أَعْطَى مِنْ خِلَالِهَا أَمْثَولةً فِي الْوَطَنِيَّة لَا تُمْحَى حُرُوفهَا مِنْ تَارِيخِ بِلَادِ الْأُرْزِ، الْأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ الَّتِي عَرَفَتْ قِدِّيسِين عِظَام أَمْثَال القِدِّيس شَرِبَل وَغَيْرُهُ. إنَّهُ انْقِلَاب بِنِعْمَةِ اللَّهِ وَقُوَّةُ الرُّوحِ الْقُدُسِ، انْقِلَاب النُّورُ عَلَى الظَّلَمَةِ، وَالنِّعْمَة عَلَى الْخَطِيئَةِ، وَالْأَزَلِيَّة عَلَى الْفَنَاءِ، وَالْمَحَبَّةُ عَلَى الْبُغْض .

  عَالَج الطَّوباوي الياسُ الْحُويك انْحِرَافَات وَاعْوِجَاجات تَمَثَّلَتْ جَمِيعهَا فِي تَصْفِيَةِ الْفِكْر اللُّبْنَانِيّ الْمُنْحَصِرِ فِي قِشْرِةِ سَوْدَاء سُمِّيَتْ بِالطَّائِفَيَّة. انَسكبَ صَوْتُهُ الْمقْدَّس بِمواكبَة أتْعَابِه وَجِهَادِه وَغَيرَتِه وَإِيمَانِه مُحَرِّكًا أسْمى الْأَعْمَاق مِنْ أَجْلِ بُنْيَان الْوَطَن اللُّبْنَانِيّ عَلَى قَاعِدَةِ الْعنْصرة الْجَدِيدَةُ الَّتِي مَلَأَتْ أَنْوَارهَا مسَاحَات وَاسِعَة فِكْراً وَرُوحاً. حَمْلُه إِيمَانُهُ أَنْ يَنْطَلِقَ مِنْ تَعَالِيم إنْجِيلِه لِيُشْعِلَه فِي نُفُوسِ أَبْنَاء وَطَنِه لُبْنَان دُونَ أَيِّ تَمْيِيزٍ أَوْ تَفْرِقَةِ. أَوْصَلَ كَلمَة رَبّه إِلَى جَمِيعِ الْهَائِمِين عَلَى وُجُوهِهِمْ فِي طَرِيقِ الْهَلَاكِ لِعَدَمِ مَعْرِفَتِهِمْ اللَّه وَالهَدَف مِنْ الْخَلْقِ.

  عَاش الحويك حَالَةُ انْفِتَاحٍ الرُّوح الْمَارُّونِية وَاللُّبْنَانِيَّة عَلَى الْعُرُوبَة وَالْغَرْب. إنَّهَا بُنْيَته الرُّوحِيَّةِ وَالْإِيمَانِيَّة وَسَطَ مُحِيطٍ مَليءٍ بِالتَّنَاقُضَات الْإِيمَانِيَّة، وَالْمَفْهُوم الْحَقِيقِيّ لِلرُّوح الْوَطَنِيَّة الصَّافِيَة الْبَعِيدَةِ عَنْ أَيِّ نِظَام مُغْلَق. آمنَ بِمَعْنَى الِاسْتِقْلَال الَّذِي هُوَ الْمَبْدَأُ الْأَسَاس لِمُوَاجَهَة التَّارِيخ إذْ بِدُونِ هَذَا الْمَعْنَى حَصْرًا يَخْرُج الْمَوَاطِن مِنْ تَارِيخهِ الْوَطَنِيّ. فَالْمُوَاطِن اللُّبْنَانِيّ وَاجِبٌ عَلَيْهِ الِانْتِقَال إلَى حَالَة الْمَسْؤُولِيَّة مِنْ أَجْلِ بِنَاءِ وَطَنِه الْجَدِيد بِقُوَّة الْمَحَبَّة كَيْ لَا يَبْقَى أمَام وَطَأة الْأَزَمَات وَالصِّراعَات. إنَّهَا مَهمَّةٌ صَعْبَة وَرِسَالَةٌ أَصْعَب.

   مِنْ هَذَا الْبَابِ الْوَاسِع، أَسْتَطِيع الْقَوْلِ أَنَّ تَارِيخَ الْأَوْطَان الظَّاهِرِ لِلْعِيَانِ هُوَ تَارِيخُ نِسْبِيّ يَخْتَلِفُ عَنْ تَارِيخِ الْمُتَّحِديْن بِعَالَم اللَّه الَّذِينَ يَقْبَلُونَهُ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ كَحَقِيقَة وَيُحِبُّونَه كَعُشّاق. هَذَا هُوَ الْوَطَنِ الَّذِي أَرَادَهُ الْبِطْرِيرك الْحُويك أنْ يَكُونَ، وَمِنْ أَجْلِهِ فَتْحَ أَبْوَاب الصَّرْح الْبِطْرِيركي لِلْمُسْلِمِينَ وَالْمَسِيحِيِّين، لِلْمُعْوِزِين وَالْفُقَرَاءِ، يَوْم أَعْلَنْت السُّلْطَة الْعُثْمَانِيَّة قَرَارَهَا بَإبِادة الْمَوَارِنة. كان هذا الموقف بمثابة رمز اتِّحَاد شَعْبِي لُبْنَانِيّ – وطنيّ وَاحِدٍ لَا قُوَّةَ تُفرِّقُه، وَلَا سُلْطَانَ عَلَيْهِ فِي إدَارَتِهِ. قام بذلك العمل في الوقت الذي فيه الجبل اللبناني يعيش حالة البؤس والجوع والعطش…

  عَاش الْحُويك كَغَيْرِهِ مِنْ الْبَطَارِكة الْمَوَارِنة حَالَةَ قبول الواقع الْحَقِيقي المعاش بالْمَحَبَّة، وبِرُوح كَلِمَةِ اللَّهِ الْخلَاصِيَّة مُسْلِّمًا ذَاته بِكُلِّيَّتِهَا إلَيْهِ تَعَالَى بِإِرَادَة صَارِمَة، وَمَعْرِفَة عَمِيقَة، وَإيْمَان قَوِيّ، وَرَجَاءٍ كَبِير. وَالرَّجَاء لَيْس مَوْقِف ضُعَفَاء بَلْ فَضِيلَةُ الْأَقْوِيَاء فاتحاً بَابَ الْإيْمَان عَلَى مُسْتَقْبَل الْوَطَن الْوَاعِد بِقُوَّة الْمَحَبَّة لِيَبْقَى الضَّمَانة لِلْمُسْتَقْبَلِ بِمَعْنَى أنَّ أَبْنَاءه يستطيعون بِكَامِل الْبُعْد الْعَمَلِيّ الْعَيْشِ فِيهِ بِطُمَأْنِينَة وَرَخَاء.

  اعْتَرَف الطَّوَباوي الْحُويك بِالِاخْتِلَافِ، وَقد قبِلَ بِهِ عَلَى قَاعِدَةِ الْإِصْغَاء الْمُتَبَادَل وَالتَّفَاهُم الْمَقْبُول لِلدُّخُولِ فِي حَيَاةِ وَطَنيّة صَادِقَة وصولاً إلَى حَيَاةِ شرَاكة أَخَويّة فِي الْوَطَنِ الْوَاحِدِ. إنَّهُ الْمُسْتَقْبَل الْوَاعِد الرَّحْب لوطنٍ لا يعرف المساحات بل العيش بروح المشاركة الفاعلة الَّتِي تحَقِّق الرَّجَاء الْحَقِيقِيّ لعيشٍ وطنيٍّ صالح. اعتبرَ الحويكَ أَنّ مَحَبَّة الُلبْنَانِيِّيْن لوطنهم لُبْنَانُ هِيَ مِنْ بَابِ عَلَامَات الْأَزْمِنَةِ لِمَا لَهُ من َصِلَة بِالْقُدْس وَمُقَدَّسَاتها.

  بُنِي هِيكَلْ سُلَيْمَانَ مِنْ أَرْزِ لبنان، وَالْمَسِيح وَطِئت أقْدَامُه أَرْضَه، وَالْحُضُور الكَنَسِيّ مَلَأ سَمَاءه وَفعّل حُضُورَه الْوَطَنِيّ، وَزَرَعَ فِيهِ الرُّوحُ وَبذور الرَّجَاءُ. إنَّهُ عَملٌ دؤوب مِنْ أَجْلِ بُلُوغ الرّوح الوطنيّة الصحيحة، وَقَدْ بَلَغَهَا الْحُويك مُحَقِّقًا الرَّجَاء الصَّالِحِ لِكُلِّ مُؤْمِنٍ صَالِح يَبْغِي بِنَاءَ الإِنْسَانِ الجَدِيدِ، وَالْوَحْدَة الْأَوْثَق مَعَ اللَّهِ وَالْإِنْسَانِ وَالْوَطَن. هَذَا يَعْنِي كَمَا عَنَاه الياس الْحُويك أنّ التُّرَاب وَالرُّوح وَالْقَلْب وَالْعَقْل وَالْفِكْر وَالكَيَان الْإِنْسَانِيِّ بِكَامِلِه مُثْقَل بِالْمَحَبَّة وَالرَّجَاء. وَأَبْعَدُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ رُوحَ اللَّهِ مَا يَزَالُ يَتوهّجُ بِقُوَّة فِي قُلُوبِ اللُّبْنَانِيِّين الْمُخلصين للَّهِ وَالْوَطَن. إنَّ مَا قَامَ بِهِ الطَّوباوي الْحُويك يُتِيح لِلْمُؤْمِنِين أَبْنَاء الْجَبَل اللُّبْنَانِيّ الدُّخُولِ فِي رُوحَانِيَّة أَرْضِهِمْ وَتَارِيخهم لِبُلُوغِ قمّة الرّوح الوطنيّة. وَهَكَذَا يصبح الوطن وَاحِدًا فِي تَارِيخه وَحَاضِرِه ومستقبله.

  هذا، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ هَذَا الْكَلَام صَحِيحًا لَمَا وَصَلْنَا إِلَى مَا وَصَلْنَا إِلَيْهِ مِنْ حَيَاةِ قَدَاسَة بَدْءاً مِنَ مَار شَربل ورفقة والحرديني… وُصُولًا إِلَى الطَّوباوي الْبِطْرِيرك الحويك صَانِع لُبْنَان الْجَدِيد بِالرُّوح وَالْحَقّ. إنِّي أَرَى فِي هَذَا الْوَاقِعِ الْمُعَاش عَمَلِيَّة تَأَمُّلٍ وِجْدَانِيّ جَامِع يَدْفَع بِجَمِيعِنَا إلَى إدْرَاكِ وَمَعْرِفَة الْحَقِّ وَالْحَقُّ يُحَرِّر.

  آمَن الطَّوباوي الياس[3] بِالرَّجَاء، وَالرَّجَاء حَيَاة شَعْب اللَّهِ فِي مُسْتَقْبَله تَحْتَ سَمَاء وَطَن أُحبّه وَمُسْتَقْبَل أراده أن يكون مستقبلَ شعبٍ وطنيٍّ واحد يؤمن بالله والوطن. وَالْجَمِيل فِي الْأَمْرِ أَنَّ رُوحَانِيَّة الطَّوباوي الْحُويك[4] وَإيمانه وَرَجَائِه بِمُخَلِّصه الْمَسِيح، اسْتَطَاع إصَابَة الْهَدَفِ فِي مَعْرِفَةِ زَمَنِ عَالِمِهِ وَالزَّمِن اللَّاحِقِ لَهُ وَهُوَ أَنَّ الرَّجَاءَ هُوَ دَوَاءُ الْعَالِم حَاضِراً وَمُسْتَقْبلًا لِأَنّ التَّشَاؤُم وَالْيَأْسُ مِنْ الْحَاضِرِ المُضطْرِب الَّذِي أَصَابَتْهُ مَوْجَاتٌ مِنَ الْخَوْفِ، وَبَقَايَا الْحُرُوب الرَّاسِخَةَ فِي الذَّاكِرَةِ الْإِنْسَانِيَّةِ هُوَ بِحَاجَة مَاسَّة لِهَذَا الرَّجَاءِ كَقُوَّة فَاعِلِة لِنَفْض غُبَار الْمَاضِي، وَالنُّهُوض مِنْ كَبْوَتِهِ، وَإِزَالَةِ الْغِشَاوَةِ، وَبِنَاء حَاضِر الْوَطَنِ عَلَى التَّحَرُّرِ مِنْ الطَّائِفِيَّة وَالْمَذْهَبِيَّة، والانفتاح عَلَى الروح الوطنية الصادقة. لِذَا، جَاءَتْ كَلمَتُه مُدَوّية تفرض الْقَنَاعَة، وَتبسِط الْخُيُوط الْبَيْضَاءِ عَلَى مسَاحَةِ الْوَطَن أَرْضًا وَشعْبًا مُؤَكِّدًا فِي رِسَالَتِهِ الشَّهِيرَة “مَحَبَّةِ الْوَطَنِ” عَام 1930 أنّ حُبّ الْأَرْضِ وَالْبِلَادِ فَرِيضَة أَخْلَاقِيَّة وَإِيمَانًيَة، وَالْوَطَنُ عَطِيَّة إِلَهِيَّة وَاجِبٌ الحفاظ عليها لِأَنَّ مَنْ يَتخلّى عن أَرْضِه يتخلّى عن رَبّه جلَّ وعلا.

  تُمَثَّل هَذِهِ الرَّسَائِلَ الثَّلَاث وغيرها مَسِيرَة الرُّوح الْوَطَنِيَّةِ فِي تَارِيخِهَا الشَّامِل، مَسِيرَة الْفِكْر الْوَطَنِيّ الصَّافِي الصَادِق الْحُرّ، الْمُنْفَتِحَةُ عَلَى مَسَار الْحَضَارَات بِهَدَف الْوُصُولِ إلَى الْغَايَةِ الْمَطْلُوبَةِ: خَلَاص الْوَطَن وَخَلَاص الْإِنْسَان. فَلُبنان، لَمْ يَعُدْ وَطَنًا عَادِيًّا يَعِيشُ عَلَى أَرْضِهِ مَجْمُوعَات مُخْتَلِفَةٍ بَلْ هُوَ وَطَنُ خَلَاص لِكُلِّ إنْسَانٍ أُحبّه وَعَايشَه وَعَاش عَلَى أَرْضِهِ. فَكُلّ لُبْنَانِيّ بَعْدَ الآنَ لَا يُؤْمَنُ بِهَذِه الْمَسِيرَة لَا يَنْتَمِي إلَى هَذَا النَّهْجِ الْحُرّ وَالْمُحرّرِ مِنْ قُيُودِ الْمَاضِي الْعَتِيق، مَاضِي صِرَاعَات وَنِزَاعات الطَّوَائِفِ الَّتِي لَا وَطَنَ لَهَا عَلَى أَرْض “لُبْنَان الْكَبِير”. هَذِهِ النَّظْرَةِ الشَّامِلَة هِي مَسْرَح التَّارِيخ اللُّبْنَانِيّ الشَّامِل الرَّاقِي الْمَفْتُوحِ عَلَى الْحَضَارَات شَرْقًا وَغَرْبًا، المستمد حَيَوِيَّتَه مِنْ الرَّجَاءِ الْمَسِيحِيّ السَّاعِي إلَى بِنَاءِ الْمُجْتَمَعِ الْوَطَنِيّ الْخَلَّاق ذُو الْمُسْتَقْبَل الزَّاهِر الْوَاجِبُ أَنْ يَتَنَعَّمَ بِهِ كُلُّ لُبْنَانِيّ يَعِيشُ عَلَى أَرْضٍ “لُبْنَان الْكَبِير”.

  عَمِلَ الحويك من أجل أن يكون لُبْنَان مَدِينَة الْمُسْتَقْبَل بروحٍ منفتحة، تسْتَمدّ مِنْهُ كَافَّة الْمُدُن مَعْنَى قَبُولُ الْإِنْسَانِ لِلْآخَر الْمُقْتَرِنِ بِقَبُولِ الْوَاقِع الْحَيَاتِيّ بَعِيدًا عَنْ أَيِّ حِسّ نَقْدِيّ مِنْ أَجْلِ تَجْدِيد الْمُجْتَمَع اللُّبْنَانِيّ بالروح اللبنانية. هَذَا مَا يَجِبُ أَنْ يُعَمّم عَلَى جَمِيعِ الْفِئَات اللُّبْنَانِيَّة ضِمْنَ مَفْهُومِ السَّعْي الْمُقْدَّس بنعمة الربّ الْمُنْسَجِمِ مَعَ مَا يَتَطَلَّبُهُ الْمُسْتَقْبَل الْقَرِيبِ وَالْبَعِيدِ.

  فِي ضَوْءِ هَذِهِ الْأبْعَاد الَّتِي نَظَرَ إلَيْهَا بِنِعْمَة الرَّبّ الطَّوباوي الْحُويك، يَنْبَغِي عَلَيْنَا أَنْ نَكُونَ أَوْفِيَاءَ صَادِقِين نُسْهِم إِسْهَاماً إِيجَابِيّاً فِي تَجْدِيدِ حَيَاتِي لوَطَنِنَا ضَمِن مُؤَسَّسَاتِه  الْمُتَعَدِّدَةُ وَالْمُمَيَّزَة مِمَّا يَنْبَغِي أَنْ نُصَالِحَ بَعْضُنَا بَعْضًا وَفْق الْفِكْر الْإِلَهِيّ الْمُرْتَكِز عَلَى إِرْسَاء السَّلَامُ، وَتَحْقِيقِ الْعَدَالَةِ، وَعَيْش الْمَحَبَّةُ مِنْ أَجْلِ أنسِنة الْإِنْسَان وَتَألّهه.

  هَذَا هُوَ الْحِرَاك الْوَطَنِيّ الصَّحِيح الْوَاجِب الِانْدِمَاج بِه بِشَكْل مُلْتَزِم مَنْعاً من الْوُقُوعِ فِي أَخْطَاء مَا قَبْلَ “لُبْنَان الْكَبِيرِ”.

  فِي ضَوْءِ ذَلِكَ نَرَى أنّ عَدَم الْتِزَامنَا بِمَا أُسِّس عَلَيْهِ “لُبْنَان الْكَبِير” أَوْقَعَنَا فِي أَخْطَاء وخضّات متقطّعة كَانَ مِنْ الْمُمْكِنِ تَحَاشِيَها، وَهِيَ بَاتَتْ مَعْرُوفَة لَدَيْنَا وَلَدى غَيْرنَا مِنْ شُعُوبِ الْأَرْضِ لِكَوْنِهَا أَصْبَحْت صَفْحَة شَائِكَة عَمِيقَة الْجراح، تَارِيخِيَّة مِنْ تَارِيخِ وَطَن. إنَّ مَا قَامَ بِهِ الْبِطْرِيرك الْحُويك مَا هُوَ إلَّا رُؤْيَةً مُسْتَقْبَلِيَّة تَبْعَث الْأَمَلَ وَالرَّجَاءَ فِي النُّفُوسِ، رؤيةً لا تَبْدَأ مَعَ إنسان الآن وَتَنْتَهِي مَعَهُ في الزمن الحاضر بل من رَجَاءِ إِنْسَانٍ مُؤْمِنٍ يَخَافُ اللَّهَ وَيُؤْمِن بِيَوْمِه الْمَقْدِس.

  سار البطريرك الحويك على خطى أسلافه البطاركة ساعياً إلى تفكيك ما أمكن من العُقد التي تنطوي على خفايا مبطّنة كادت أن تكون أسراراً يقتضي كشفُها. وبذلك أطلعنا على مكانة رجائه بلبنان الذي أسّس.

  صالحه الله بنعمته مع البعد الوطني الضامن للحدود. جرّده من ذاته، وهي الذات التي لم تعد قادرة على قبول وطنٍ ضمن مساحة محدودة في الأرض بل وغير محدودة في الروح. وهذا كله ناجم عن إيمانه بالبعد الخلاصي لوطنه وشعبه، وناتج عن سعيه الدؤوب بموضوعيّة واضحة خلّصتْه من مأزق خطير بعدم وجود وطن.

  وبفضل ذلك، باتت قناعته راسخةً بأنّ “لبنان الكبير” يعيش حالة الأمانة لماضيه وحاضره ومستقبله. في هذا الجوّ الدقيق عبّر غبطته يوم ذاك عن صراعه الخفي والظاهر مع ذاته والوطن، وبات واحداً من أهل السلطة، وصاحب القرار الأخير.

  وفي ومضة من الوعي والنضج راح يرفع صوته عالياً في وجه أصحاب القرار الذين لم ينكروا عليه حقّه في تأسيس لبنان الكبير عام 1920. وهذا يدل على عمق علاقته الوثيقة بالسلطات المحلية والاقليمية والدولية[5].

  وهكذا، أقام السلام من باطن مآسي وطنه بقوة الانتماء، ونعمة الصبر، والرّجاء، وعمق الاختبار. إنّه في سلام مع ذاته ومع الله.

  وكأني بالحويك، أدعو شعب “لبنان الكبير” كلِّه إلى الانتقال من مجتمع السهولة إلى مجتمع المسؤولية من أجل بناء وطن المحبّة بقوّة المحبّة.

  أدعوه من خلال خاتمة مقالي المتواضع هذا إلى الانتماء لهذا النهج الحياتي بخُطىً ثابتة، لنُعلنَ معاً بروح الأمانة الصادقة مردّدين: لبنان الكبير رجاؤنا. ورجاؤنا حياتنا في مستقبلنا، إنّه فعل مستمر ضمن مفهوم حركة التاريخ. إنّها أمانة وُهبَت لنا بالنعمة. والنعمة عطيّة من الله عزّ وجلّ، وعون مجّاني، وينبوع نشاط لا ينضب، ومبدأ تحوّل والتزام وسهر. إنّها هبة مجّانيّة من الله لنا، وطاقة دائمة على محاورة الله والوطن، وحياة لا تُحدَّد بزمن، ونظام حكمة الله وحضوره فينا. ومن يكون الله حاضراً فيه، يكون هو بكلّيّته حاضراً في وطنه. هكذا، نتلقّى كمواطنين هبات النعمة، وحنانها، وعطفها وينابيع الرحمة المتدفّقة منها. ومَن يستجيب للنعمة يكون أميناً لها. ومن لا يُحِبّ لا يؤمن. إنَّ محبّتنا للبنان الكبير تُحرِّرنا من ضعفنا، وشكوكنا، وخوفنا على مصيرنا، وتدفعنا للتمسك بالنعمة بدلاً من الخطيئة، والحياة بدلاً من الموت.

[1] الياس بطرس الحويك 1843- 1931 البطريرك الثاني والسبعون 1899- 1931 . كاهناً عام 1870 وأسقفاً عام 1889 على يد البطريرك بولس بطرس مسعد الذي كان نائبه العام المطران يوسف فريفر. الحويك بطريركاً عام 1899 وامتدّت حبريته 34 عاماً وطوباوياً على يد قداسة البابا لاون الرابع عشر في 25 تموز 2026 (الصرح البطريركي في الديمان ). أسس رهبنة “راهبات العائلة المقدسة المارونيات”. إنه من بلدة حلتا – البترون المجاورة لقرية كفرحي حيث هامة القديس مارون ودير مار يوحنا مارون أول بطريرك في الكنيسة المارونية. أدخله المطران يوسف فريفر إلى مدرسة مار يوحنا مارون، الدير الذي بناه أجداده ووالده. وقد سبق لعائلة فريفر أن وهبت هذا الدير مليون وستمائة ألف متر عبر العقود. أدخل المطران فريفر الياس الحويك تلميذاً إلى مدرسة مار يوحنا مارون في كفرحي كما أدخل القديسة رفقا إلى دير مار سمعان القرن – أيطو إلى الرهبنة اللبنانية المارونية برسالته الشهيرة التي وجهها إلى الأباتي أفرام جعجع البشراني يقول له فيها: “واصلة إليك هذه النعجة فاقبلها في مصاف المبتدئات”. صدرت سلسلة “شخصيات في تاريخ لبنان” (1) 2005 حياة ومراسلات المطران يوسف فريفر 1818- 1889 د. جان نخول. د. ميشال أبي فاضل.

[2]   كان يردّد الجنرال ميشال فريفر هذا الكلام بالفرنسية:

les Français nous ont donné l’indépendance prématurément, alors qu’on n’était pas ” prêts à l’époque.

Qu’est-ce qui en reste

“maintenant, un pays disloqué et effrité à tous les niveaux.

[3] حقّق أعجوبة شفاء الضابط في الجيش اللبناني نايف أبو عاصي من طائفة الموحّدين الدروز عام 2005 من مرض مزمن في العمود الفقري بعد رؤية للبطريرك الحويك في المنام.

[4] أَصْدَر رِسَالَتَيْن الْأُولَى عَام 1928 بِعِنْوَان مَحَبَّةِ اللَّهِ وَالثَّانِيَةُ عَامّ 1929 التي اعتبرت زيارة رسولية حيث أرسل الأب حنا جوان إلى جنوب إفريقيا زائراً رسولياً من أجل توثيق روابط أبناء كنيسته المارونية وتثبيت العيش المشترك والاستقلال. الواقع الذي يدلّ على أنه كان يربط إيمانه بتراب وطنه. دعا في هذه الرسائل منفردة ومجتمعة أبناء الوطن اللبناني إلى بناء لبنان على أسس المواطنة الحقيقية، والعيش المشترك، وتقديم ما هو صالح للصّالح الوطنيّ العام. وتجدر الإشارة إلى أن رسائله محفوظة في أرشيف مطرانية بيروت المارونية ومنها رسالته عشيّة الحرب العالمية الأولى في 24 آب 1914 التي اعتُبرت وثيقة روحيّة وتاريخيّة شكّلت الحالة الواقعية لمواجهة الأهوال القادمة من مجاعة وفقر وعِوَز… إضافة لهذا، جمع الأب فيليب السمراني ونشر عام 1931 ثلاثين رسالة وجّهها غبطته إلى كنيسته إكليروساً وعلمانيين.

[5] – ويبقى القول في مكانه أنّ تخوّف الحويك من “لبنان الكبير” لم يزل قائماً لأنه كان بنيّته إقامة كَيان لبنانيّ – مسيحيّ ذلك لكونه عاصر نكبات ومنها نكبة 1860. وبناءً عليه، قدّم لمؤتمر الصلح مذكرة بعنوان: ” Les Revendications du Liban” – كان الفرنسيون قد أعدوها له – وافقت عليها فرنسا وأعلن على أثرها “لبنان الكبير”. مراجعة الباحث والناشط القانوني المحامي فؤاد الأسمر والباحث كمال ديب والباحث كمال الصليبي.

  دمشق في 1/8/2026

الأديب ابن “لبنان الكبير”

المونسنيور الدكتور ميشال فريفر

أيقونة شكراً لدعمكم أيقونة