هل السيجارة فعلاً علاج للتوتر؟

«لولا الدخان كنت انجلطت!»… هل السيجارة فعلاً علاج للتوتر؟

بعد المنشور السابق، قال البعض: «الدخان يهدّئ أعصابي»،

وقال آخر: «لو ما بدخّن كان صار معي جلطة من التوتر!»

نحن لا نقلّل من وجع أحد ولا من ضغوط الحياة. نعم، القلق قد يكون ثقيلاً جداً، والإنسان قد يبحث عن أي شيء يريحه.

لكن علينا ألا نسمّي الاعتماد علاجاً، ولا الراحة المؤقتة شفاءً.

علمياً، النيكوتين قد يعطي شعوراً قصيراً بالراحة، لكن عند المدخن المعتاد ينخفض مستوى النيكوتين بعد فترة فتظهر الرغبة والعصبية والقلق، ثم تأتي السيجارة التالية فتخفف جزءاً من أعراض الانسحاب التي ساهم الاعتماد نفسه في صنعها.

فتصبح الدائرة:

توتر → سيجارة → راحة مؤقتة → انخفاض النيكوتين → قلق ورغبة جديدة → سيجارة أخرى.

ولهذا تشير المصادر الطبية إلى أن الإقلاع عن التدخين، بعد تجاوز مرحلة الانسحاب، يرتبط بانخفاض القلق والتوتر وتحسن المزاج.

والأهم بالنسبة لنا كمسيحيين:

متى علّمنا المسيح أن نهرب من الضيق إلى عادة تستعبد الجسد؟

قال الرب: «تَعَالَوْا إِلَيَّ يَا جَمِيعَ الْمُتْعَبِينَ وَالثَّقِيلِي الأَحْمَالِ، وَأَنَا أُرِيحُكُمْ» (متى 11: 28)

وقال الرسول بولس: «لاَ تَهْتَمُّوا بِشَيْءٍ، بَلْ فِي كُلِّ شَيْءٍ بِالصَّلاَةِ وَالدُّعَاءِ مَعَ الشُّكْرِ، لِتُعْلَمْ طِلْبَاتُكُمْ لَدَى اللهِ. وَسَلاَمُ اللهِ… يَحْفَظُ قُلُوبَكُمْ وَأَفْكَارَكُمْ» (فيلبي 4: 6–7)

لاحظوا:

عندما يضطرب القلب والفكر، لا يقول الرسول: ابحثوا عن مادة تهدئكم دقائق، بل يضع أمام الإنسان الصلاة والدعاء والشكر وسلام الله. وهذا النص نفسه تستشهد به الكنيسة الأرثوذكسية في أميركا في حديثها عن الرجاء وسط الضيق.

والقديس ثيوفانوس الحبيس الروسي يضع الصلاة في قلب الحياة الروحية، حتى نُقل عنه: «إذا لم تنجح في صلاتك، فلن تنجح في شيء، لأن الصلاة هي أصل كل شيء».

والتقليد يعلّم أن صلاة يسوع يمكن أن تصبح ملجأً للإنسان تحديداً في لحظات التجربة والضغط، حتى يتجه الفكر إلى المسيح بدلاً من أن يبحث كل مرة عن مسكّن خارجي.

أما القديس سلوان الآثوسي، وهو من كبار القديسين الروس في العصر الحديث، فله موقف جميل جداً. عندما حاول رجل أن يقنعه بأن التدخين يريح الإنسان ويساعده على العمل، قال له بمعنى جوابه: قبل أن تشعل السيجارة، صلِّ «أبانا الذي…».

فقال الرجل إن الصلاة قبل التدخين لا تبدو مناسبة.

فأجابه القديس سلوان: «إذاً، من الأفضل ألا تبدأ شيئاً لا تستطيع أن تسبقه بصلاة هادئة».

يا لها من قاعدة روحية قاسية في بساطتها:

هل أستطيع أن أقف أمام المسيح، أصلّي بهدوء، ثم أقول: والآن أحتاج إلى السيجارة لكي تعطيني السلام الذي لم آخذه منك؟

والقديس باييسيوس الآثوسي كان واضحاً أيضاً في التعامل مع التدخين كـ«هوى» ينبغي للإنسان أن يحرس نفسه من أسبابه؛ فضرب مثالاً بأن من يجاهد ضد التدخين عليه أن يتجنب حتى الأماكن التي تحرك فيه الرغبة في شراء السجائر.

إذاً، ماذا نفعل عندما يزداد التفكير والتوتر والضغط؟

المسيحية لا تقول لك: «لا تتوتر» ثم تتركك وحدك.

صلِّ ولو لدقائق: «يا رب يسوع المسيح، ابن الله، ارحمني أنا الخاطئ».

اخرج وامشِ وحرك جسدك بدلاً من إشعال سيجارة؛ النشاط البدني والتنفس الهادئ من الوسائل العملية المستخدمة للتعامل مع التوتر والرغبة في التدخين.

توقف عن اجترار الفكرة نفسها. اسأل نفسك: هل أستطيع حل المشكلة الآن؟ إن كنت تستطيع، اعمل. وإن كنت لا تستطيع، فلا تجعل عقلك يعيد السيناريو نفسه مئة مرة.

افتح قلبك لإنسان تثق به، وللمؤمن أيضاً أب اعتراف يستطيع أن يساعده في الجهاد الروحي.

نم بصورة أفضل، تحرك، اخرج إلى الطبيعة، تنفّس ببطء، واكتب ما يقلقك؛ فهذه من الاستراتيجيات العملية التي توصي بها المصادر الصحية لإدارة الضغط أثناء التخلص من الاعتماد على التدخين.

وإن أصبح القلق شديداً أو مستمراً أو مؤثراً في حياتك، اطلب مساعدة مختصة. الذهاب إلى طبيب أو أخصائي ليس ضعف إيمان. والإنسان المعتمد على النيكوتين قد يحتاج أيضاً إلى خطة علاجية مناسبة للإقلاع، لأن أعراض الانسحاب حقيقية ومؤقتة ويمكن التعامل معها.

لا نقول للمدخن: أنت إنسان سيئ.

نقول له بمحبة:

أنت متعب؟ نصدقك.

أنت مضغوط؟ نفهمك.

أفكارك كثيرة؟ نعرف أن هذا مؤلم.

لكن لا تعطِ السيجارة فضيلة ليست فيها.

السيجارة ليست «سلاماً».

النيكوتين ليس «تعزية».

والاعتماد ليس «علاجاً».

المسيح لم يقل: «بدوني ستنهار أعصابكم».

بل قال: «سَلاَماً أَتْرُكُ لَكُمْ. سَلاَمِي أُعْطِيكُمْ… لاَ تَضْطَرِبْ قُلُوبُكُمْ وَلاَ تَرْهَبْ». (يوحنا 14: 27)

فإذا كان القلب مضطرباً، عالِج الاضطراب… لا تعطِه سيجارة.

وإذا كان الفكر متعباً، عالِج الفكر… لا تربطه بالنيكوتين.

وإذا كان الحمل ثقيلاً، احمله إلى المسيح، واطلب المساعدة الروحية والطبية المناسبة… ولا تجعل عادةً تستعبدك تقنعك بأنها هي التي تنقذك.

فالحرية ليست أن تقول: «أنا أستطيع التدخين متى أشاء».

الحرية الحقيقية أن تستطيع أن تقول للسيجارة: «لا»، ولا تكون أنت الذي يرتجف من دونها.

صفحة المنارة_الأرثوذكسية

أيقونة شكراً لدعمكم أيقونة