الإجهاض: هل كان مسموحاً يوماً ما؟ الجواب الآبائي والتاريخي والعلمي

الإجهاض: هل كان مسموحاً يوماً ما؟ الجواب الآبائي والتاريخي والعلمي
مقدمة: كذبة العصر
يُقدم الإجهاض اليوم على أنه “حق” و “حرية جسد” و “صحة إنجابية”. لكن هل تعلم أن الكنيسة حرمت الإجهاض قبل أن تخترع كلمة “حقوق المرأة” بـ 1900 سنة؟
الفكرة المنتشرة اليوم: ” هل الكنيسة كانت متسامحة مع الإجهاض المبكر، والتحريم جديد”
الحقيقة التاريخية: كذب. التحريم هو من اليوم الأول للمسيحية، من سنة 70 ميلادية.
أولاً: متى تبدأ الحياة؟ العلم والكنيسة يقولان نفس الجواب
العلم الحديث يقول:
– في لحظة الإخصاب ينشأ كائن بشري جديد له DNA مختلف تماماً عن الأم والأب، لا هو جزء من الأم ولا جزء من الأب.
– اليوم 21: القلب يبدأ بالنبض.
– الأسبوع 8: كل الأعضاء موجودة.
– الأسبوع 12: الجنين يشعر بالألم ويمص إصبعه.
– الأسبوع 20: يسمع صوت أمه.
الكنيسة تقول:
الحياة لا تبدأ بالولادة، بل بالحبل. النفس تُخلق مع الجسد في نفس اللحظة. الله لا يخلق جسداً بلا نفس.
ثانياً: أقدم نص مسيحي بعد الإنجيل يحرمه – قبل الأناجيل
*الديداخي Didache – تعليم الرسل الاثني عشر – سنة 70 م:*
“لا تقتل الجنين بالإجهاض، ولا تقتل المولود” – الوصية الثانية، الفقرة 2.
هذا النص كان يُقرأ في القداس مع الإنجيل. هذا يعني أن تحريم الإجهاض هو أقدم من إنجيل يوحنا نفسه. لم يكن نقاشاً، بل وصية من الوصايا العشر.
ثالثاً: ماذا قال الآباء؟ لم يسألوا “متى تبدأ الحياة؟” بل قالوا “منذ الحبل”
1. أثيناغوراس 177م – رسالة إلى الإمبراطور ماركوس أوريليوس:* “نحن نقول إن النساء اللواتي يستخدمن أدوية للإجهاض هن قاتلات وسيحاسبن أمام الله كقاتلات.”
2. ترتليانوس 197م – أول لاهوتي لاتيني:* “هو إنسان، من سيصبح إنساناً. الثمرة موجودة كلها في البذرة. هو إنسان منذ الحبل.”
3. القديس باسيليوس الكبير – القانون 2 و 8 من رسائله القانونية – وهو أساس كل القانون الأرثوذكسي:* “المرأة التي تُجهض هي قاتلة، سواء كان الجنين متشكلاً أم غير متشكل. عندنا لا يوجد تحقيق دقيق عن متشكل وغير متشكل. العقوبة 10 سنوات حرمان من المناولة كقاتلة.”
4. المجامع المسكونية:
– *مجمع إلبيرة 305م – القانون 63:* إذا أجهضت المرأة بسبب زنا، تُحرم من المناولة حتى الموت.
– *مجمع أنقرة 314م – القانون 21:* 10 سنوات حرمان، وهي العقوبة المخففة التي ثبتها باسيليوس الكبير.
– *مجمع ترولو الخامس السادس 691م – القانون 91:* “من يعطي دواءً للإجهاض أو يأخذه يُعاقب كقاتل عمد.”
رابعاً: موقف الكنيسة الكاثوليكية اليوم – لم يتغير حرف واحد
1. التعليم المسيحي الكاثوليكي 2270-2275 – النص الرسمي الملزم:*
– *2270:* “يجب أن تُحترم الحياة البشرية وتُصان حمايتها بعناية مطلقة منذ لحظة الحبل. منذ اللحظة الأولى لوجوده يجب الاعتراف بحقوق الشخص الإنساني، ومنها حقه الذي لا يُنتهك في الحياة.”
– *2271:* “الكنيسة منذ القرن الأول أكدت أن كل إجهاض مقصود هو شر أخلاقي. هذا التعليم لم يتغير وبقي ثابتاً لا يتغير. لا يمكن أن يوافق عليه أي تشريع مدني.”
– *2272:* العقوبة هي الحرمان.
2. *القانون الكنسي Can. 1397 §2 (كان 1398):
“من أجرى إجهاضاً وتم الإجهاض، يقع في الحرمان المخصص للكرسي الرسولي Latae sententiae.” يعني الحرم يقع تلقائياً، ليس بحاجة لقرار مطران، على الأم والطبيب وكل من ساعد بوعي.
3. الوثيقة الخاتمة: Evangelium Vitae – إنجيل الحياة – البابا يوحنا بولس الثاني 1995 – رقم 62:*
بهذه الوثيقة أعلن البابا بسلطان معصوم: “بسلطة المسيح التي خولتني، أعلن أن القتل المباشر والطوعي لبرئ هو دائماً شر خطير… الإجهاض المباشر المقصود كغاية أو كوسيلة، هو دائماً اضطراب أخلاقي خطير.”
خامساً: موقف الكنيسة الأرثوذكسية
1. وثيقة أسس المفهوم الاجتماعي للكنيسة الأرثوذكسية – الفصل XII.2 – وهي المرجع لكل الأرثوذكس في العالم:*
“منذ لحظات الحمل الأولى، الجنين هو شخص بشري. الإجهاض في أي مرحلة هو قتل متعمد. لا يمكن تبريره بأسباب اجتماعية أو اقتصادية أو طبية أو بتشوه الجنين. من يشارك فيه، طبيباً كان أو ممرضاً أو مستشاراً، يتحمل مسؤولية القتل.”
2. بطريركية أنطاكية وسائر المشرق – قرار المجمع الأنطاكي 2013:*
يمنع حتى إعطاء المشورة أو المكان أو الدواء أو تمويل الإجهاض، ويعتبره مشاركة كاملة في القتل. يمنع الكهنة من إعطاء الحل لأي طبيب يمارس الإجهاض الاختياري إلا بعد توبته وتركه العمل.
3. القديس باييسيوس الآثوسي: “الإجهاض هو أبشع من القتل. في الحرب يقتل رجل رجلاً، أما هنا فتقتل الأم طفلها. من ينجو من هؤلاء الأطفال؟ من يحميهم إن لم تحمهم أمهم؟”
سادساً: الرد على الأسئلة الصعبة – الاغتصاب وخطر الموت والتشوه
الكنيسة لا تقول للأم “موتي”. هذا هو التعليم الدقيق الذي لا يعرفه الإعلام:
1. إذا حياة الأم في خطر أكيد (سرطان رحم، حمل خارج الرحم ينزف):*
تسمح الكنيسة بالعملية لإنقاذ الأم، حتى لو مات الجنين كنتيجة غير مباشرة وغير مقصودة. هذا يسمى “مبدأ الفعل ذو الأثر المزدوج”. نحن لا نقتل الجنين مباشرة، بل نعالج الأم. مثال: استئصال رحم مسرطن حامل. القصد هو إزالة السرطان، وليس قتل الجنين.
2. في حالة الاغتصاب – وهي جريمة مروعة:
الكنيسة تقول: الاغتصاب جريمة بشعة، والمرأة ضحية تحتاج كل الاحتضان والعلاج والدعم. لكن الجنين ليس مجرماً، بل هو ضحية ثانية بريئة من نفس الجريمة. لا نعالج جريمة بجريمة قتل ثانية. الطفل ليس ذنب أبيه. هنا دور الرعية هو أن تتبنى الأم والطفل مادياً وروحياً، لا أن تقول لها تخلصي منه. كثير من القديسات هن أطفال اغتصاب ربتهم أمهات قديسات.
3. في حالة تشوه الجنين:
الطفل المشوه ليس خطأً طبياً يجب محوه، بل هو أيقونة للمسيح المتألم. في سوريا ولبنان، عائلات قديسة ربت أطفالاً مشوهين وصاروا قديسين. القتل ليس علاجاً للتشوه.
سابعاً: ماذا يجب أن نفعل كرعية؟
1. لا تدينوا المرأة. 90% من النساء اللواتي أجهضن، أُجبرن من رجل أو من عائلة أو تُركن وحدهن. هن بحاجة لاعتراف ورحمة وشفاء، وليس لمحكمة. باب التوبة مفتوح دائماً.
2. اعرضوا السونار أولاً. الدراسات تقول 80% من النساء يتراجعن عن الإجهاض بعد سماع دقات قلب جنينهن.
3. البدائل موجودة: بيوت رعاية الأم الحامل (جمعية سيدة البشارة في لبنان، راهبات المحبة في سوريا)، التبني المسيحي، صندوق الرعية لمساعدة الأم.
4. حاسبوا الرجل. الإجهاض ليس قضية نساء. أين الرجل الذي زرع وهرب؟ القانون الكنسي يحرم الرجل الذي يدفع زوجته للإجهاض بنفس عقوبة القاتل.
الخاتمة الروحية: صوت الدم الذي لا يسكت
قال الله لقايين: “صوت دم أخيك صارخ إليّ من الأرض” (تكوين 4:10).
اليوم، حسب منظمة الصحة العالمية، نحن نجهض 73 مليون جنين كل سنة. هذا أكثر من كل ضحايا الحرب العالمية الثانية كل سنة. في كل مشفى هناك دم بريء يصرخ.
الجنين الذي أُجهض لا يختفي. في تقليدنا الشرقي، الكنيسة تعطيه اسماً في صلاة خاصة وتسجله في سفر الحياة: “الطفل غير المولود الذي في قلب الله”.
لماذا؟ لأن الله نفسه كان جنيناً. لو كان الجنين ليس إنساناً، لما صار الله جنيناً في بطن العذراء. عيد البشارة في 25 آذار هو عيد إنسان كامل في بطن أمه، وليس ذكرى كتلة خلايا.
ويوحنا المعمدان وهو جنين عمره 6 أشهر “ارتكض بابتهاج في بطن أليصابات” حين اقتربت مريم الحامل (لوقا 1:44). جنين يسجد لجنين. الجنين يسمع، يشعر، ويفرح.
أمنا العذراء كانت فقيرة، عذراء، في مجتمع كان يرجم الحامل. كان بإمكانها أن تقول “جسدي وأنا حرة”. لكنها قالت: “ليكن لي كقولك”.
المسيح قال: “دعوا الأطفال يأتون إليّ” – لم يقل إلا إذا كنتم مستعدين.
فلنختر الحياة، لكي نحيا نحن وأولادنا.
التجاوز إلى المحتوى


