رموز مسيحيّة خلاصيّة

رموز مسيحيّة خلاصيّة
لقب «المسيح» مشتق من الجذر الذي يدل على المسح ، أي تعيين شخص و تكريسه لمهمّة ذات طابع مقدّس ، و لا سيما في ما يتعلق بالملوك و الكهنة و الأنبياء . و في التقليد الكتابي اليهودي «المسيح» هو الملك الآتي من نسل داود ، و الذي يُنتظر منه أن يجمع شعب إسرائيل و يعيد تأسيس المملكة الداوديّة . و في بعض التقاليد اليهوديّة اللاحقة ، ارتبط العصر المسيحاني أيضاً بفكرة إعادة بناء الهيكل . و لا يزال عندهم الانتظار قائماً و إن اختلفت تفاصيل الانتظار و تفسيراته بين التيارات و التقاليد اليهوديّة المختلفة .
أما في الإيمان المسيحي ، فإن يسوع الناصري هو المسيح الموعود ، و قد تحققت فيه النبوءات جميعها . و هذا تماماً ما افتتح متى الإنجيلي إنجيله قائلاً : «كِتَابُ مِيلَادِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ» (متّى 1: 1) .
كذلك يجمع يسوع بشخصه لقب «ابن الإنسان» تحقيقاً لما ورد في رؤيا دانيال النبي : «كُنْتُ أَرَى فِي رُؤَى اللَّيْلِ ، وَ إِذَا مَعَ سُحُبِ السَّمَاءِ مِثْلُ ابْنِ إِنْسَانٍ أَتَى وَ جَاءَ إِلَى الْقَدِيمِ الأَيَّامِ ، فَقَرَّبُوهُ قُدَّامَهُ . فَأُعْطِيَ سُلْطَاناً وَ مَجْداً وَ مَلَكُوتاً ، لِتَتَعَبَّدَ لَهُ كُلُّ الشُّعُوبِ وَ الأُمَمِ وَ الأَلْسِنَةِ . سُلْطَانُهُ سُلْطَانٌ أَبَدِيٌّ مَا لَنْ يَزُولَ ، وَ مَلَكُوتُهُ مَا لَا يَنْقَرِضُ.» (دانيال 7: 13-14) . و لا ننسى بأنّه ابن الله الواحد في الجوهر الإلهي مع الآب و الروح القدس .
من الناحية اللغوية ، تقابل كلمة «مَشيَح» (Mashiach) في العبرية لقبَ «المسيح» . و في اليونانيّة (وفي الترجمة السبعينية اليونانية ق 3 ق م) استُخدم لقب «Χριστός» (Christos) ، و منها جاءت تسمية «Christ» في اللغات الأوروبيّة . من اللافت أن الفعل اليوناني chriō (χρίω) كان يُستخدم بمعنى المسح أو الدهن بالزيت ، و لا سيما في السياقات الطقسية المرتبطة بالتكريس أو التعيين . و ترتبط بالفعل ألفاظ أخرى مثل chrisma (χρῖσμα) بمعنى «الدهن» أو «المسحة» من الجذر نفسه .
من هنا نشأ أحد أقدم الرموز المسيحيّة المرتبطة باسم المسيح ، و هو«ΧΡ» . فالحرف «Χ» (خي) هو الحرف الأول من كلمة «Χριστός»، بينما الحرف «Ρ» (رو) هو الحرف الثاني منها . و من اجتماع الحرفين و تداخلهما ، نشأ الرمز «ΧΡ» ، المعروف باسم Christogram ، أي رمز أو اختصار لاسم المسيح .
و من المعروف أن الرمز اكتسب حضوراً بارزاً في عهد الإمبراطور قسطنطين الكبير ، و لا سيما بعد تحوّل الرموز المسيحيّة إلى عناصر ظاهرة في المجال الإمبراطوري . غير أن الشواهد الأثريّة تشير إلى أن استعمال «ΧΡ» لم يكن محصوراً في الإطار الإمبراطوري فحسب ، بل انتشر أيضاً في الأوساط المسيحيّة عامة ، و استخدم في سياقات دينيّة و جنائزيّة و فنيّة كنسيّة متعددة كوسيلة للتعبير عن الإيمان بالمسيح و غلبته على الموت ، و بالرجاء في القيامة و الحياة الأبديّة .
فشوهد الرمز على الأضرحة ، و النواقيس ، و العملات ، و الرايات العسكريّة ، و الأواني الليتورجيّة ، و الخواتم ، كما ظهر في النقوش و الفسيفساء و الرسوم الجداريّة و المنسوجات . و عُثر على قطع نقديّة من النصف الأول للقرن الرابع الميلادي تحمل الرمز«ΧΡ» (أنظر الصور المرافقة) .
و يوجد رمز «ΧΡ» يؤرَّخ إلى نحو 324م فوق ضريح لسيدة تُدعى Ursicina ، رقدت عن عمر خمسة و عشرين عاماً ، إلى جانب عبارة ذات مضمون جنائزي مسيحي تدعو إلى الراحة و السلام .
و كثيراً ما نرى إلى جانب الرمز «ΧΡ» الحرفين اليونانيين Α (ألفا) و Ω (أوميغا) ، و هما أول حروف الأبجديّة اليونانيّة و آخرها عملاً بالآية : «أَنَا هُوَ الأَلِفُ وَ الْيَاءُ ، الْبِدَايَةُ وَ النِّهَايَةُ ، يَقُولُ الرَّبُّ الْكَائِنُ وَ الَّذِي كَانَ وَ الَّذِي يَأْتِي ، الْقَادِرُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ.» (رؤيا 1:
. فكما يمتد نطاق الأبجدية اليونانية من Α (ألفا) إلى Ω (أوميغا) ، يشير استخدامهما في الإيمان المسيحي إلى شمول سلطان يسوع و كماله ، و إلى أنّه البداية و النهاية .
بالإضافة إلى ذلك نشاهد دائرة كبيرة و في داخلها الرمز «ΧΡ» و الحرفان اليونانيّان Α (ألفا) و Ω (أوميغا) . الدائرة هي علامة رمزية على الأبدية و الكمال و المجد . فالدائرة لا بداية لها و لا نهاية ، و هي صورة لما يتجاوز حدود الزمان : الأبدية . و هكذا نكون أمام إنجيل مصور للإله المتجسّد . فالرب يسوع المسيح هو المحور و نقطة الارتكاز ، و هو الأزلي ، الذي لا بداية لألوهيته و لا نهاية لملكه ، و تجسّد من أجلنا .
هذا هو جمال التصوير الأيقونوغرافي الواحد مع الكتاب المقدّس و العقيدة و الليتورجيا ، و لا يوجد أي فصل بين التجسّد و الصليب و المجد و الأزليّة .
التجاوز إلى المحتوى


