موقف الكنيسة من موت الرحيم (Euthanasia / قتل الرحيم)

موقف الكنيسة من موت الرحيم (Euthanasia / قتل الرحيم)

أولاً: شو هو قتل الرحيم الذي تمنعه الكنيسة؟

الأساس الكتابي: “لا تقتل” – خروج 20:13
 الله وحده رب الحياة والموت (تثنية 32:39: “أنا أميت وأحيي”). أيوب في أشد ألمه قال: “الرب أعطى والرب أخذ” (1:21) ولم يطلب الموت. حتى بولس قال “لي الحياة هي المسيح والموت ربح” (فيليبي 1:21) لكنه لم يقتل نفسه، بل بقي يخدم حتى استشهد. المسيح نفسه في بستان الزيتون طلب “إن أمكن فلتعبر عني هذه الكأس” لكنه ختم “لتكن مشيئتك لا مشيئتي” – لم يهرب من الألم بحقنة.
الكنيسة تفرق بين حالتين، وحدة مسموحة ووحدة ممنوعة:
1. المسموح: عدم التمسك بالعلاج غير المجدي – إذا المريض في نزاع أخير وآلات الإنعاش فقط تطيل الاحتضار بلا أمل، يحق إيقاف الوسائل الاستثنائية والمبالغ فيها وترك الموت الطبيعي يأتي. هذا ليس قتلاً.
2. الممنوع قطعاً: القتل الرحيم المباشر* – هو فعل أو امتناع يسبب الموت مباشرة لإنهاء الألم: حقنة مميتة، جرعة دواء زائدة، قطع الأكسجين والغذاء والماء عن مريض يمكنه العيش. حتى لو كان بطلب المريض. هذا هو القتل.

ثانياً: موقف الكنيسة الكاثوليكية – وثائق لا تقبل الجدل

1. التعليم المسيحي للكنيسة الكاثوليكية 2276-2279
المادة 2277: “مهما كانت البواعث والوسائل، القتل الرحيم المباشر هو قتل شخص بريء، وهو فعل غير أخلاقي، ويمثل جريمة قتل، وهو مرفوض أخلاقياً. الإنسان لا يمكنه أن يكون سيد حياته.”

2. Evangelium Vitae – إنجيل الحياة 1995

– القديس يوحنا بولس الثاني – الفقرة 65:
“القتل الرحيم هو انتهاك خطير لشريعة الله… أؤكد أن القتل الرحيم هو قتل عمد لشخص بريء، وهو دائماً غير مشروع أخلاقياً.”

3. Samaritanus bonus – السامري الصالح 2020 (مجمع العقيدة والإيمان – وثيقة حديثة ومهمة جداً):
“القتل الرحيم والانتحار بمساعدة طبية هما دائماً أفعال غير أخلاقية بطبيعتها… الحياة هبة مقدسة وغير متاحة للتصرف. لا يوجد حق في الموت، بل حق في الحياة.”
الوثيقة تمنع حتى الإحالة أو التواطؤ: الطبيب الكاثوليكي لا يجوز أن يحيل المريض لطبيب آخر ليقتله.

ماذا يقول القانون في سوريا ولبنان؟
القانون السوري (مادة 538 عقوبات) واللبناني (مادة 552) يعتبران القتل الرحيم جريمة قتل عمد، حتى لو بطلب الضحية وبدافع الشفقة – العقوبة هي الأشغال الشاقة. الكنيسة هنا لا تخترع تحريماً جديداً، بل تحمي المجتمع من تحويل الطب إلى أداة موت، كما حصل في كندا وهولندا.

4. Donum Vitae و Dignitas Personae:
نفس المبدأ: الإنسان من الحمل حتى الموت الطبيعي، كرامته لا تسقط بالألم أو العجز.

ثالثاً: موقف الكنيسة الأرثوذكسية – واحد وصارم

 وثيقة أسس المفهوم الاجتماعي للكنيسة الأرثوذكسية الروسية 2000 – الفصل XII.2* وهي المرجع لكل الأرثوذكس:
“القتل الرحيم هو شكل من أشكال القتل… المريض الذي يعاني يجب أن يحاط بالمحبة والصلاة والرعاية، وليس بالقتل. طلب المريض نفسه للموت لا يبرر القتل. الانتحار والقتل الرحيم مرفوضان تماماً.”

 موقف البطريركيات:
– البطريركية المسكونية (القسطنطينية): البطريرك برثلماوس: “الألم ليس بلا معنى، هو مشاركة في آلام المسيح. لا نجيب على الألم بالقتل بل بالمحبة.”
– كنيسة اليونان وأثينا: تعتبره “انتحاراً بمساعدة وقتلاً، ويحرم فاعله وطالبه من الأسرار إذا لم يتب.”
– كنيسة أنطاكية: نفس التعليم، مع التركيز على دور الرعاية التلطيفية Palliative Care كبديل مسيحي.

*القديس باييسيوس الآثوسي والقديس بورفيريوس:* “لو كان الألم بلا قيمة لما سمح الله به. الله يسمح بالألم ليطهرنا كما تطهر النار الذهب. لا تقطعوا الخيط قبل أن يكمل الله نسيجه.”

رابعاً: ماذا نقول للذي لا يطيع؟ – الحجة التي تهز العقل

لا تبدأ بـ “حرام”. ابدأ بهذا:

1. أنت لا تقتل الألم، أنت تقتل المتألم:*
المورفين والرعاية التلطيفية الحديثة قادرة على إزالة 95% من الألم الجسدي. المشكلة الحقيقية ليست الألم، بل الوحدة واليأس والشعور بأنك عبء. الحل ليس حقنة، بل يد تمسك يدك.

2. إذا قبلنا قتل الرحيم اليوم للمتألم، غداً سنقتل المعاق والمسن والعاجز:*
هذا ما حصل في هولندا وبلجيكا وكندا. بدأوا بـ “حالات ميؤوسة بألم لا يطاق” وانتهوا بقتل مرضى اكتئاب، وأطفال معاقين، ومسنين قالوا “تعبنا من الحياة”. المنحدر الزلق حقيقي. في كندا 4.1% من كل الوفيات سنة 2022 كانت قتل رحيم.

3. الطبيب وُجد ليكون حارس الحياة، لا قاضي الموت:*
إذا أصبح الطبيب هو من يعطي الموت، سيفقد المريض الثقة به. هل هذه اليد ستشفيني أم ستقتلني؟ الكنيسة تقول: الطب الحقيقي الذي تسمح به هو _الرعاية التلطيفية_ – يعالج الألم، لا يقتل صاحبه.

خامساً: الكنيسة لا تقول “تألم واصمت” – الكنيسة تقدّم بديلاً اسمه الرعاية التلطيفية الشاملة
هذا هو الجواب المسيحي الحقيقي:

طبياً: تخفيف الألم بنسبة 95% عبر أدوية حديثة (المورفين، الفنتانيل) – الكنيسة تسمح بها حتى لو قصّرت الحياة ساعات، لأن القصد هو الرحمة لا القتل. إنسانياً: حضور دائم – متطوعون، عائلة، كاهن يجلس بجانب السرير. دراسات هولندا نفسها تقول 80% ممن طلبوا الموت تراجعوا عندما وجدوا من يصغي لهم.روحياً: سر مسحة المرضى والاعتراف والمناولة – “هل فيكم مريض فليدعُ قسوس الكنيسة” (يعقوب 5:14). كثيرون وجدوا سلاماً لم يجدوه في حقنة.
 القديسة الأم تريزا لم تكن تملك أدوية قوية في كالكوتا، لكنها كانت تملك يداً تمسك يد المحتضر وتقول له: “أنت محبوب، أنت لست عبئاً”. هذا ما يطلبه المريض، لا إبرة.

الخاتمة الروحية: المسيح لم يهرب من الصليب ولم يطلب حقنة ليموت أسرع. قال “قد أكمل”. والموت ليس نهاية، بل باب. لا نملك أن نكسر الباب قبل أن يفتحه الله.

 

أيقونة شكراً لدعمكم أيقونة
استماع إلى المقال
1.00x